المحاضرات

06
فبراير | 2025كيف يتحقق المنّ من الله على الناس؟
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدالله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين
اللهم كن لوليك الحجة بن الحسن صلواتك عليه وعلى آبائه في هذه الساعة وفي كل ساعة وليًا وحافظًا وقائدًا وناصرًا ودليًلا وعينًا حتى تسكنه أرضك طوعًا وتمتعه فيها طويلًا برحمتك يا أرحم الراحمين.
كيف يتحقق المنّ من الله على الناس؟
قال الله تبارك وتعالى في كتابه الكريم وخطابه المجيد بسم الله الرحمن الرحيم "لقد منَّ الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين" آمنا بالله صدق الله العلي العظيم.
نبارك لكم جميعًا بعثة النبي الخاتم، أفضل سكان العالم، أبي القاسم محمد، ونسأل الله عز وجل أن يوفقنا للسير على هدي السيرة المحمدية والشريعة الأحمدية. نسأل الله عز وجل أن يوفقنا في الدنيا لزيارته، وأن يرزقنا في الآخرة شفاعته.
سؤال يطرح نفسه: كيف يتحقق المنّ من الله عز وجل على الناس؟ الآية تقول: لقد منَّ الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً، أين يكمل المنّ؟ لماذا منَّ الله علينا بإرسال محمد صلى الله عليه وآله؟ لبيان حقيقة المنَّ وكيف تحقق المنّ من الله على عباده؟
نقدم هذه المقدمة: الإنسان، كل إنسان، والناس كل الناس، أقام الله تبارك وتعالى لهم حجة باطنة وحجة ظاهرة. الحجّة الباطنة هي العقل، والمعبر عنه أحيانًا بالقلب أي القوة المدركة التي من خلالها يدرك الإنسان حقائق الأشياء وواقع الأمور. وقد جاء في الرواية: إن أول ما خلق الله العقل فقال له: أقبل! فأقبل. ثم قال له: أدبر! فأدبر. ثم قال: وعزتي وجلالي، ما خلقت خلقًا أفضل منك! بك أثيب وعليك أعاقب.
هذا العقل الباطني، هذا الحجّة الباطنية الموجودة في باطن الإنسان، قد يتعرض إلى الدفن والزوال نتيجة تراكم الذنوب، ونتيجة الجهل والعناد.
آفتان دمرتا أكثر شعوب العالم: الآفة الأولى الجهل والعناد واتباعهما، والآفة الثانية ارتكاب الذنوب والموبقات، الله عز وجل أرسل رسله وأنبياءه إلى العالم كل العالم، أكثر من وقف في وجه الأنبياء هذان الصنفان:
الصنف الأول اتباعه والنفس العناد العصبي "إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون".
الصنف الثاني هم من أوغلوا في الشهوات والنزوات، كقوم لوط، فهؤلاء رأوا أن نبي الله يحول بينهم وبين شهواتهم.
هذان الأمران، هوى النفس والعناد من جهة، والذنوب والآثام من جهة أخرى، تعمل على دفن العقول، هذا الإنسان العاقل الفاهم يصير له قلوب لا يفقهون بها، لهم أعين لا يبصرون بها، إنهم إلا كالأنعام بل أضل سبيلا.
أو تريد مثالًا من التاريخ؟ بلعم بن باعوراء، كان عنده حرفان من اسم الله الأعظم، وكان يؤتى له بالمرضى فيدعو لهم فيشفيهم الله عز وجل ببركة دعائه. ولكن ما الذي حصل لبلعم بن باعوراء؟ حسد النبي موسى عليه السلام. بعث الله عز وجل نبيه موسى إلى بني إسرائيل، ومن موسى كان يرعى الغنم، ابن خالته قارون، قارون كان عنده أربعين جملًا تحمل مفاتيح خزائن قارون، يعني كم عنده؟ أربعين جملًا تحمل فقط المفاتيح للخزائن.
قارون قال: هذا ابن خالتي الفقير راعي الغنم يصير نبيًا، ويجبي مني الزكاة، وأنا أوتيته على علم مني. بلعم بن باعوراء أيضًا، هكذا قال: أنا عندي حرفان من اسم الله الأعظم، ويأتي موسى ويصير نبيًا، وأنا ما أصير نبيًا.
لاحظ الحسد! لولا الحسد ما مات أحد.
فخرج بلعم بن باعوراء على أتانه لقتال موسى عليه السلام. النبي موسى كان في مصر في سيناء، يريد أن يدخل أرض الجبارين، يدخل فلسطين. جيش بني إسرائيل في مقابل جيش موسى.
خارج بلعم بن باعوراء لقتال موسى عليه السلام على أتان له. يقول المؤرخون: فالتفت الأتان، والحمار إلى بلعم، وأنطقه الله وقال: إلى أين يا بلعم؟ إلى قتال ولي الله موسى؟ قال: نعم. فضرب الأتان ضربًا مبرحًا حتى ماتت. لاحظ الإيغال في المعصية ماذا يعمل.
ثم قال بلعم بن باعوراء: يا بني إسرائيل، زينوا نساءكم حتى ينظر إليهن جيش موسى فيفتنون بهن. هذا الذي عنده حرفان من الاسم الأعظم، يصل به إلى الانحطاط، إلى أن يأمر بني إسرائيل أن يزينوا نساءهم لكي يفتنن جيش موسى.
إذن، هوى النفس من جهة، والذنوب والمعاصي من جهة أخرى، تعمل على دفن العقول القوية.
وهذا درس عملي. يا حبيبي، أنت في حسينية، في مسجد، في مأتم، في مؤسسة، في حزب، في عمل إسلامي، التفت جيدًا الله عز وجل منّ عليك بنعمة العقل وقوة الإدراك. هذه القوة أنت بنفسك تدفنها، إما بجهلك، وإما بذنوبك.
نرجع إلى السؤال، سؤال يطرح نفسه: كيف يتحقق المنّ بإرسال الله تبارك وتعالى لنبيه أبي القاسم محمد؟
الجواب في كلام أمير المؤمنين عليه أفضل صلوات المصلين، أسد الله الغالب، علي بن أبي طالب، إذ يقول: إنما بعث الله الأنبياء لكي يثيروا في الناس دفائن عقولهم. يعني، هذا العقل الذي تدفنه بجهلك أو تدفنه بذنوبك، يأتي دور النبي والرسول لإزالة هذا الغبار، لإزالة هذا الدفان عن ذلك العقل، يعني لإرجاعك إلى الفطرة، وهذا من مَنَّ الله.
الله عز وجل أعطاك حجة باطنة، لكنه لم يكتفِ بإعطائك للحجة الباطنة، وهي العقل، بل ثنى ذلك وأعطاك الحجة الظاهرة، وهي الأنبياء والرسل، وهذا منه مَنَّ الله.
الله عز وجل يستطيع الاحتجاج عليك: أعطيتك عقلًا، لماذا دفنت هذا العقل؟ العقل يدعو إلى العلم، لماذا بقيت في الجهل والعصبية؟! العقل يدعو إلى التزكية والتنمية والطهارة، فلماذا بقيت في ذل الذنوب؟! ولكن على الرغم من كل ذلك، أرسل الله تبارك وتعالى أنبياءه ورسله لكي يثيروا في الناس دفائن عقولهم.
الخلاصة: إن لله حجتان: حجة باطنة وحجة ظاهرة. الحجة الباطنة هي العقل، والحجة الظاهرة هي الأنبياء والمرسلون، وهنا تكمن أهمية البعثة.
الله عز وجل بعث الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وبعث الأنبياء والمرسلين لكي يثيروا في الناس دفائن عقولهم.
إذن، هذه الحجة الظاهرة، ما أعظمها من نعمة! لقد منَّ الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولًا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين.
سؤال: ما هي وظائف الرسول؟ ما هي وظائف البعثة؟ ما هي أهم مهمات الأنبياء؟
الجواب: أول شيء تلاوة الكتاب، أي بيان الرسالة، يتلو عليهم آياته، المراد بالآيات آيات الكتاب السماوي، آيات الشريعة الغراء التي تُعطى لذلك الرسول، ثاني مهمة التزكية، وثالث مهمة التعليم.
الآن في وزارات العالم، يقال وزارة التربية والتعليم، سابقًا كان يقال وزارة المعارف، وزارة المعارف كانت ناظرة إلى خصوص المعارف والعلوم والفنون، ولكن وزارة التربية والتعليم يراد بها التزكية أولًا والتعليم ثانيًا.
سؤال يطرح نفسه: لماذا قدمت الآية التزكية على التعليم؟ ولو رجعنا إلى القرآن الكريم لوجدنا في موارد كثيرة قدمت التزكية على التعليم، لكن في موارد قليلة قدم العلم على التزكية أيضًا. فكيف نجمع بين الأمرين؟ ما هو السر في كثرة تقديم التزكية على التعليم؟، وما هو السر في تقديم التعليم على التزكية في بعض آيات القرآن الكريم؟
الجواب: أقدم مقدمة، انظروا إلى هذا الكأس. هذا الكأس مملوء بالماء، لو افترضنا أن هذا الكأس مليء بالقاذورات، ذاك البعيد، هل يمكن أن تطهر الكأس من القاذورات بإضافة الماء الطاهر والنقي والصافي، لكن من دون إزالة القاذورات؟ تبقى القاذورات في الكأس وتضيف إليها الماء، هل هذا يمكن؟
الجواب: كلا وألف كلا.
إذن، لابد من وجود مرحلتين بل ثلاث: المرحلة الأولى تخلية الكأس من القاذورات. إذن، أول نقطة هي التخلي من العيوب والآثام والقاذورات.
ثاني خطوة: تحلية الكأس بالماء الطاهر والطيب. فالنقطة الثانية هي التحلية. وإذا أخرجنا القاذورات وتمت تخليتها من الكأس أولًا، ثم حَلَينا الكأس بالماء الطاهر ثانيًا، تبقى مدة أيضًا آثار آثار القاذورات من رائحة أو لون، بعض الآثار تبقى في الكأس، ولكن بمرور الزمن وبالاستمرار تتجلى الرائحة الطيبة للماء الصافي الزلال وتزول الرائحة النتنة والقبيحة.
إذن، عندنا ثلاث مراحل تعبر عنها ثلاث كلمات، نفس الكلمة الفارق في النقطة تبدأ النقطة من فوق: تخلي، ثم نحذف النقطة، تحلي، ثم نجعل النقطة في الأسفل: تجلي.
إذن، عندنا تخلي أولًا، ثم تحلي ثانيًا، ثم تجلي ثالثًا.
إذن، أولًا نتخلى من العيوب، ثانيًا نتحلى بالفضائل، ثالثًا تتجلى فينا تلك المناقب.
هذه مراحل ثلاث بينها طولية وبينها ترتيب، وليس بينها عرضية ومقابلة.
أولًا نتخلى من العيوب والآثام والهُبُقات.
ثانيًا نتحلى بالفضائل والمناقب.
ثالثًا مع مرور الزمن تتجلى فينا المناقب والمحاسن الأخلاقية. هذا هو السر في تقديم التزكية على التعليم: "يزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة".
التزكية دورها دور التخلي، ودور التخلي من العيوب، ويعلمهم الكتاب والحكمة، دوره دور التحلي الذي يقود إلى التجلي.
لذلك، أكثر آيات القرآن الكريم قدمت التزكية على التعليم، يعني قدمت التخلي على التحلي، وقدمت التخلية على التحلية.
سؤال آخر: لماذا بعض الآيات القليلة قدمت العلم على التزكية؟
الجواب: التزكية تفتقر إلى العلم. أنت كيف تزكي نفسك وأنت لا تعلم كيف تزكي نفسك؟ فأوليات وأصول التزكية تحتاج إلى علم.
لاحظ النتيجة كيف صارت: العلم والتحلي بالفضائل والمناقب يتوقف على التزكية، والتزكية تتوقف على أصول علمية لمعرفة كيفية التزكية والتهذيب.
سؤال آخر، ونختم، ما هي أهم صفات النبي الخاتم، أبي القاسم محمد؟ صفات النبي كثيرة، ولكن إذا أردنا أن نتطرق إلى الصفات الواردة في القرآن الكريم، فلننظر إلى قوله تبارك وتعالى مخاطبًا الناس: "لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم".
هذه الآية تطرقت إلى أربع صفات، هذه الصفات الأربع حري أن يتحلى بها أي مبلغ وأي مؤمن رسالي، وأي قائد مثالي، في حزب، مؤسسة، أمة، دولة، لابد من هذه الأمور الأربع.
أول شيء: "من أنفسكم"، أي منكم وفيكم وإليكم، الناس لا تقودها الأجنبي، الأمة لا يقودها الأجنبي، الأمة يقودها واحد منها وفيها، عاش معهم الحلوة والمرة. لذلك، القيادة لا تكون بمجرد تعيين وخط قلم، القيادة أن يثبت القائد وجوده الميداني بين أبناء الأمة بالمخالطة والمعاشرة، يكتشف الناس أن هذا منهم وفيهم وإليهم، وغيور على مصلحتهم.
هذه أول صفة مهمة في القائد الميداني، والمسؤول المثالي، أن يعد نفسه من أبناء الأمة، وأن تعده الأمة منها. أما الذي يسكن في القصور العاجية أو يعيش الحياة المرفهة وطبقية بينه وبين الأمة، فهذا لن يحتل من قلوب الأمة شيئًا.
أول صفة: "منكم وفيكم وإليكم". الآية في مقام الامتنان على الأمة وعلى الناس: "لقد جاءكم رسول من أنفسكم".
الصفة الثانية: "عزيز عليه ما عنتم"، يعني يصعب عليه مشقتكم. العنت هو المشقة، ويتأذى من وقوعكم في هذا الواقع، المؤلم والمشقة. الزهراء عليها السلام تصف النبي صلى الله عليه وآله في خطبتها العصماء، وتصف وقع الجاهلية آنذاك.
تقول: "كنتم تقتاتون القد والورق"، القد واللحم المجفف، وتشربون الطرق (أي الخمر) تخافون أن يتخطفكم الناس من حولكم أذلة خاسئين، فأنقذكم الله بأبي محمد محمد".
وما أدرك مع محمد!! يقول علي عليه السلام واصفًا للنبي صلى الله عليه وآله والعناية الإلهية التي حفت بالنبي منذ ولادته: "لقد قرن الله به من لدن أن كان فطيما، أعظم ملك من ملائكته يسلك به طريق المكارم ومحاسن أخلاق العالم ليلًا ونهارًا".
هذا الملك ليلًا ونهارًا، قريب مع النبي، يعتني بالنبي، يسلك بالنبي طريق المكارم ومحاسن أخلاق العالم، وكانت هذه النتيجة، يعني منذ أن كان فطيما إلى سن الأربعين، حيث كان العرب لا يرون الرجل راشدًا إلا إذا بلغ سن الأربعين. وفي سن الأربعين، بعث النبي أبو القاسم محمد.
إذن، الأول: صفة من صفات النبي من الناس وبين الناس، أي أحد أبناء الأمة.
ثاني صفة: لقد منَّ الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولًا، الآية الكريمة تقول: "لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عتم".
الصفة الثانية: يصعب عليه رؤية مشقتكم.
صفة الثالثة: حريص عليكم، تهمه مصلحتكم.
صفة الرابعة: "بالمؤمنين رؤوف رحيم"، الله عز وجل رحمته تسبق غضبه، لطفه يسبق انتقامه.
واقعيًا.
هذه الصفات الأربع: أن يكون القائد من أبناء الأمة، ثانياً: عزيز عليه مشقة الأمة، ثالثًا: بالمؤمنين رؤوف رحيم، رابعًا: حريص على مصلحة الأمة.
ما أحوجنا إلى قاعدة ميدانيين تتوفر فيهم هذه الصفات، ونحن نعيش واقعنا المعاصر المر، وإسرائيل قد دخلت إلى سوريا ووصلت إلى مسافة 20 كم من دمشق، وإسرائيل تقتل اليوم 24 من أحبتنا في لبنان، وليس ذنبهم إلا أنهم أرادوا أن يرجعوا إلى بيوتهم في جنوب لبنان، لكن الأمة في لبنان أثبتت جدارتها إذ رجعوا إلى بيوتهم، ولم يعبأوا بتهديدات الجيش الإسرائيلي، ولم يعبأ الفلسطينيون في غزة وهم يريدون الرجوع من جنوب غزة إلى شمال غزة، بوعود الرئيس الأمريكي الجديد القادم دونالد ترامب، إذ وعد بتهجير أبناء غزة وتوطينهم في مصر والأردن.
ونعود إلى التاريخ القديم ومن لا يعرف التاريخ، لا يعرف السياسة، ومن لا يعرف حركة الشعوب لن يفهم ردة فعلها.
في عراقنا الحبيب، أيام الانتداب البريطاني للعراق، كان هناك رجل يقال له حمدان، حمدان لم يُذكره التاريخ، كان عنده عشرون فارسًا، وكانت مهمتهم المقاومة والإغارة على قوافل الجنود البريطانيين.
لقد أوجع البريطانيين وجيوش الملكة البريطانية وجعًا شديدًا، ولم يستطيعوا أن يمسكوا به. رفع قائد الجيش في العراق رسالة إلى جلالة الملكة في بريطانيا، قال فيها: "هذا حمدان ليس له حمد، ماذا نعمل معه؟".
فجاء جواب جلالة الملكة إليزابيث البريطانية: "أعطوه الهدايا من الذهب والفضة واللباس، وأعطوه أفضل فرس فاز في سباق الخير في بريطانيا، وقولوا له: اصعد فرسك وانطلق إلى حيث شئت، إلى أن يتعب الفرس ويتوقف، فجميع هذه المسافة هي ملك لك بمن فيها من العباد والبلاد والثروات والناس، هذه كلها هبة من جلالة الملكة لك".
عمل البريطانيون على المفاوضات إلى أن استطاعوا أن يصلوا إلى حمدان، أطبق المكان بجنوده ورجاله، وتفاوض مع البريطانيين، فقالوا له: "هذا هو مطلب جلالة الملكة وهذه هي هديتها".
فما كان من حمدان إلا الموافقة، صعد حمدان صهوة جواده، ومشى مسافة مسافة، والناس تنظر إليه.
لحظات وإذا بحصان حمدان يتوقف، نزل حمدان من على صهوة جواده، ثم أسر في أذن جواده، ثم وضع أذنه إلى جانب فم جواده على الجبل البريطاني، ورجع.
فقال قائد التفاوض: "يا حمدان، هل خيولكم تتكلم؟ نتحدث ونسمعها"، فقال يا حمدان: "ماذا قلت للفرس وماذا أجابك؟".
فقال حمدان: "قلت للفرس إن جلالة الملكة تقول: تحرك أيها الفرس إلى حيث شئت فإنك ستملك جميع هذه الأراضي وستحكم جميع هؤلاء العباد".
قال: "وماذا أجاب الفرس؟". فقال حمدان: "أدنيت أذنه من فمه، فقال: يا حمدان، الأرض أرضكم، فكيف تقبل أن تهبها امرأة أجنبية لكم؟".
فتأذى قائد القوات البريطانية، وأرسل إلى جلالة الملكة البريطانية: "أيها الملكة، إن حمدان قد أهاننا، وقال إن حيواناتنا لا تقبل بالاحتلال، فكيف نحن نقبل بالاحتلال؟".
واصل حمدان زحفه، وقتل البريطانيين، وبقي حمدان إلى سبعينيات القرن الماضي، ولم يستطيعوا قتله أو النيل منه.
لكنه لم يُذكر في التاريخ هذا الكلام موثق في وثائق السفارة الفرنسية في بغداد، السفارة الفرنسية في بغداد وثقت هذا القائد المغوار، وما أحوجنا إلى هؤلاء القادة الميدانيين في سوريا ولبنان والعراق وكل البلدان.
أمة فيها مقاومون هي أمة المبعث النبوي، النبي صلى الله عليه وآله أثار في الناس دفائن عقولهم، وأرسى فيهم دعائم مقاومة المحتل.
نسأل الله عز وجل أن يوفقنا لتحرير كافة الأراضي الفلسطينية والسورية واللبنانية المحتلة، وإن شاء الله تكون هذه المقاومة تهيئ الأرضية لظهور صاحب العصر والزمان، أرواحنا لتراب مقدمه الفداء.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، إنه غفور رحيم وتواب حليم.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا ونبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين
تعليق