المحاضرات

سر انتصار الثورة الإسلامية في إيران

23

فبراير | 2025
72

سر انتصار الثورة الإسلامية في إيران

مشاركة سماحة الشيخ عبدالله الدقاق (حفظه الله) في المراسم التي أقامتها المدرسة الفيضية بمناسبة انتصار الثورة الإسلامية الإيرانية، وذلك من خلال كلمة ألقاها تحت عنوان: سر انتصار الثورة الإسلامية في إيران

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمدالله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين

اللهم كن لوليك الحجة بن الحسن صلواتك عليه وعلى آبائه في هذه الساعة وفي كل ساعة وليًا وحافظًا وقائدًا وناصرًا ودليًلا وعينًا حتى تسكنه أرضك طوعًا وتمتعه فيها طويلًا برحمتك يا أرحم الراحمين.

سر انتصار الثورة الإسلامية في إيران

قال الله تبارك وتعالى في كتابه الكريم وخطابه المجيد: بسم الله الرحمن الرحيم "والفجر وليالٍ عشر" آمنا بالله صدق الله العلي العظيم.

نبارك لكم جميعًا ذكرى انتصار الثورة الإسلامية في إيران في الثاني والعشرين من بهمن بقيادة المرجع الديني الكبير سماحة آية الله العظمى إمام الأمة السيد الإمام روح الله الموسوي الخميني، نسأل الله له علو الدرجات، ونسأل الله طول العمر لخلفه الإمام آية الله العظمى السيد علي الحسيني الخامنئي.

السؤال الذي يطرح نفسه: ما هو سر انتصار الثورة الإسلامية في إيران؟

سؤال آخر يطرح نفسه: ما هو سر بقاء وهج الثورة الإسلامية في إيران؟ فبعض الثورات قد انتصرت ولكن بعد مدة قد تغيرت تلك الثورة، لكن نفس مبادئ الإمام الخميني لا تزال باقية ويسير على وفقها الإمام الخامنئي.

فما هو السر في الانتصار أولاً، وما هو السر في بقاء هذا الأثر وهذا الوهج ثانيًا؟

هذا علم يُدرس في السياسة ويقال له علم الثورات، وهناك علم أو بحث تخصصي يقال له علم سرقة الثورات، أحيانًا تُسرق الثورة وأصحاب الثورة لا يشعرون، تمامًا كمن يصعد في طائرة ويحتسي الشاي والقهوة وقد تحول مسار الطائرة وهو لا يدري، كما لو حوّل قبطان الطائرة والطيار أو اختطف الطيار واستُبدل وغير مسار الطائرة من مسار إلى آخر، هذا يُدرس في السياسة وفي علم سرقة الثورة.

وفي دقائق معدودة ومحدودة سأتكلم عن علّة وسر انتصار الثورة الإسلامية بقطع النظر عن الأبعاد الغيبية والأبعاد الإلهية، فهناك يد الغيب ترعى هذه الجمهورية الإسلامية، وكما قيل: إن المرجع الديني الكبير سماحة آية الله العظمى السيد محمد رضا الكلبايكاني رحمه الله رأى رؤيا أن إيران مسورة، وأنه كلما انهدّ جزء من السور جاء صاحب العصر والزمان ورمم ذلك السور، فهي إن شاء الله محفوظة بيد الغيب وبعناية صاحب العصر والزمان، ولكن نريد أن نتكلم وفق الأسس المادية والموضوعية.

درسنا في الفلسفة جميعًا تقسيم العلة إلى قسمين: علة مُحدِثة وعلة مُبقية، هناك حيثية حدوث وابتداء، وهناك حيثية بقاء واستمرار. فمثلًا: عود الثقاب علة للاحتراق، ولكن وجود عنصر الأكسجين ووجود المادة القابلة للاشتعال هذه علة لاستمرار بقاء النار والاحتراق.

وهكذا نحن في طلب العلم، ينبغي أن نلحظ حيثية ابتداء وحدوث الدراسة، والدرس، والتدريس، وينبغي أن نلحظ حيثية بقاء واستمرار الدرس والتدريس.

هكذا أيضًا في الثورات، هناك علة لحدوث وابتداء الثورة، وهناك علة لبقاء واستمرار تلك الثورة.

سأتطرق باختصار إلى ثلاثة أمور مهمة في حدوث الثورة وابتدائها، وثلاثة أمور مهمة في بقاء واستمرار هذه الثورة.

أولًا الأمور التي تُؤخذ في بدء وحدوث الثورة:

الخطوة الأولى الجرأة: من دون جرأة ومن دون هدف لا تتحقق الثورة. إذن، أول عنصر هو الهدف، ما هو الغرض من التظاهرات، وما هو الهدف من القيام ضد النظام. ينبغي أن يُلحظ الهدف والغاية المتوخاة: إسقاط النظام، إصلاح النظام، زعزعة النظام.

إذن، أول خطوة في إحداث حركة اجتماعية أو سياسية هي الهدف.

الخطوة الثانية الإيمان بالهدف: أحيانًا الإنسان عنده هدف لكن لا يؤمن به. يعني هدفه إسقاط النظام، إسقاط نظام الشاه، لكن لا يؤمن أنه قادر على إسقاط نظام الشاه. كان الكثيرون يقولون للإمام الخميني: هذا الشاه شرطي الخليج، تدعمه أمريكا، بريطانيا، نحن نريد زوال نظام الشاه لكننا لا نؤمن بقدرتنا على إزالة نظام الشاه.

إذن، الخطوة الثانية لإحداث الثورة لا بد من الإيمان بالهدف.

الخطوة الثالثة الجرأة والإقدام: فقد يكون شخص أولًا مشخصًا للهدف، ثانيًا مؤمنًا بذلك الهدف، لكنه جبان وخائف، ليست عنده جرأة وإقدام لتحقيق ذلك الهدف.

إذن، في كل بلد، في كل مجتمع، إذا توفرت هذه الأمور الثلاثة: أولًا الهدف، وثانيًا الإيمان بالهدف، وثالثًا الجرأة والإقدام وفق ذلك الهدف، فإن الثورة ستتحقق والحركة والنهضة ستتحقق، ولكنها قد تخمد في دقيقة وقد تخمد في ساعة أو سنة أو سنتين.

ما هي الأمور المبقية لهذه الثورة؟ هذا ما يقودنا إلى النقطة الثانية: علّة البقاء. كيف تبقى الثورة؟ هناك ثلاثة أمور مهمة في بقاء الثورة:

الأول وجود قيادة واحدة.

الثاني دم الشهداء والأسَر المُنجِبة للشهداء.

الثالث الوحدة الوطنية والإسلامية.

وهذا ما توفر في إيران الحبيبة. أولًا، كانت قيادة مشخّصة من بداية الثورة، كان الكل يعرف قائد الثورة الإسلامية أنه الإمام الخميني رضوان الله عليه.

النقطة الثانية: الأسر المُنجبة للشهداء، حينما اعتُقل الإمام الخميني خرج الناس في المظاهرات وكانوا يقولون: "يا مرگ يا خميني، يا مرگ يا خميني"، أي "إما الموت وإما الخميني". تا خون در رگ ما خمينى رهبر ما" يعني "حتى آخر قطرة من دمائنا فإن الإمام الخميني هو قائدنا".

إذن، من العوامل المُبقية للثورة والتي أدت إلى انتصار الثورة: أولًا قيادة الإمام الخميني، ثانيًا دماء الشهداء، والأمر الثالث مهم جدًا الوحدة الوطنية والوحدة الإسلامية.

سُئل أحدهم: بما بُعث النبي أبو القاسم محمد؟ فقال: بُعث النبي بكلمته "كلمة التوحيد وتوحيد الكلمة". هاتان إشارة النص. كلمة التوحيد: "الله واحد لا شريك له"، وتوحيد الكلمة على التوحيد. إيران الإسلام ما دامت تحت كلمة التوحيد وقد وحدت كلمتها على كلمة التوحيد، فإن شاء الله هي باقية وستسير إلى برّ الأمان.

وفي الختام، أقول إن التشيّع يتميز بمميزات مهمة وقوية جداً، ومن أبرزها خصيصتان قويتان يستهدفهما الأعداء: الأولى القيادة والمرجعية الدينية، الثانية الشعائر الحسينية.

لذلك تجد الأعداء دائمًا يشوهون المرجعية، يشوهون ولاية الفقيه، يشوهون القيادة الإسلامية، لأن عنصر قوتنا في التشيّع هو ولاية الفقيه والمرجعية الدينية.

يُقال إن المرحوم السيد محمد حسن الشيرازي (الميرزا الشيرازي الكبير) صاحب ثورة التنباك حينما أفتى وحرّم استعمال التنباك أصبح الشاه من الصباح يريد التنباك، وإذا بأدوات التنباك مكسرة. فقال لخادمته: لمَ كسرتها؟

قالت: إن المرجع الشيرازي قد أفتى بحرمتها.

فقال لزوجته: من أمركم بتكسيرها؟

فقالت زوجته: "أمرني الذي حللني عليك"، أي أنني بفتوى هذا المرجع الديني صرت حلالًا عليك، وأنا أمتثل فتواه وأكسر هذه الأدوات.

يُقال إن المرحوم الشيرازي دخلوا عليه بعد الاستجابة الكبيرة لفتواه ووجدوه يبكي. قيل له: لمَ البكاء؟

قال: الآن سيدرك الاستكبار العالمي سرّ قوتنا وهي المرجعية الدينية، وسيعمل على استهداف المرجعية الدينية.

الأمر الثاني المهم هو الشعائر الحسينية والشعائر الدينية. لذلك يقول الإمام الخميني: "كل ما لدينا من عاشوراء"، وهو القائل إن "محرم وصفر هو الذي أحيى الإسلام منذ أربعة عشر قرنًا".

نسأل الله عز وجل أن يوفقنا للسير على هدى الأمة وهدى الإمام الراحل، وأن يوفقنا للدفاع عن الثورة الإسلامية في إيران التي هي أكبر إرث للإمام الخميني أعلى الله مقامه الشريف، وكل عام وأنتم بخير وأسعد الله أيامكم بكل خير، وصلى الله على سيدنا ونبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين