المحاضرات

طبيب دوار بطبه

18

مارس | 2025
38

طبيب دوار بطبه

كلمة ألقاها سماحة الشيخ عبدالله الدقاق (حفظه الله) في جمع من طلبة العلوم الدينية والمبلغين تحت عنوان: طبيب دوَّارٌ بطبهِ

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمدالله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين

اللهم كن لوليك الحجة بن الحسن صلواتك عليه وعلى آبائه في هذه الساعة وفي كل ساعة وليًا وحافظًا وقائدًا وناصرًا ودليًلا وعينًا حتى تسكنه أرضك طوعًا وتمتعه فيها طويلًا برحمتك يا أرحم الراحمين.

طبيب دوارٌ بطبه

جاء في الرواية الشريفة عن سيدنا ونبينا أبي القاسم محمد (ص) أنه قال: "إذا أراد الله بعبد خيراً فقهه في الدين وألهمه اليقين" صدق سيدنا ونبينا خاتم الأنبياء والمرسلين.

الحديث عن خصائص طالب العلم والمبلغ الرسالي.

الفقه في اللغة بمعنى الفهم، تقول: فقه الرجل المسألة، أي فهمها، إذا أراد الله بعبد خيراً فقهه في الدين، أي جعله فاهماً لدينه، وليس المراد بالفقه في الرواية هو خصوص علم الفقه، أي الأحكام الشرعية، وسُميَ علم الفقه بعلم الفقه، لاحتياج الأحكام الشرعية إلى الفهم الصحيح والإدراك القوي، إذا أراد الله بعبد خيراً فقهه في الدين وألهمه اليقين، أي رزقه اليقين بالله تبارك وتعالى.

فما هي الأمور التي توجب التوفيق لفقه الدين وفهم الدين؟ طالب العلم إذا جاء إلى الحوزة العلمية، فما هي الأمور التي تساعده على الترقي العلمي والمعرفي؟ يمكن أن تذكر عدة أمور، أهمها أربعة، ولنضرب مثالاً لذلك من علمائنا الأبرار المعاصرين، ألا وهو شهيد العصر السيد محمد باقر الصدر أعلى الله في الخلد مقامه، فقد توفرت فيه هذه العناصر الأربعة:

العنصر الأول: الذكاء، فطلب العلم يحتاج إلى مستوى معين من الذكاء، وأول ما تسأل أي شخص عن الشهيد الصدر، ما هو سر تفوقه؟ فإنه يجيبك: إنه عبقري، والذكاء موجود عند الكثير من علمائنا.

يقول آية الله العظمى السيد حسين البروجردي أعلى الله مقامه الشريف: "كتبت رسالة وعمري ثمانية عشر سنة، وبعد أن وصلت إلى المرجعية، رجعت إلى تلك الرسالة فوجدت رأيي كما هو، ولم يتغير، غاية ما في الأمر هناك إضافات بعد المرجعية".

وهكذا الشيخ الرئيس أبو علي ابن سينا، كل ما لدي كان عندي وعمري ثمانية عشر سنة، فأغلب العلماء ومن أنتجوا كانوا يمتلكون مستوى من الذكاء والعبقرية، من الله بها عليهم.

العنصر الثاني: الجد والاجتهاد.

يقول الشيخ محمد جواد مغنية في كتابه "تجارب محمد جواد مغنية": "كنت أعمل يومياً ستة عشر ساعة" اليوم أربعة وعشرين ساعة، يقول: أنا اشتغل بالمطالعة والكتابة والبحث العلمي يومياً ستة عشر ساعة، ويقول الشيخ محمد رضا النعماني في كتابه "الشهيد الصدر: سنوات المحنة وأيام الحصار": "كان الشهيد الصدر يشتغل في اليوم عشرين ساعة بين كتابة ومطالعة وتدريس"، وكان أكثر شيء يستغرقه في التفكير، يتأمل ويفكر في المطالب العلمية.

إذاً، العنصر الثاني هو عنصر الجد.

سؤال: أيهما أهم عنصر الذكاء أم الجد؟ الجواب: الجد.

لاحظوا زنجير الدراجة الهوائية، هذا الزنجير إذا يحرك دائماً تجدوه خفيفاً، لكن لو كان هذا الزنجبيل جديداً ولا يتحرك، مع مرور الزمن يصدأ، وإذا لم يتحرك لمدة ربما ينكسر إذا حركته، الإنسان الذكي إذا أصيب بالغرور والاعتداد بنفسه وما يحرك ذهنه، فإنه مع مرور الزمن سيفقد ذكاءه أو لن يوظف ذكاءه في التحصيل العلمي، بخلاف المجد، حتى لو لم يكن يمتلك مستوى من الذكاء، إذا أصبح مجداً فإنه مع مرور الزمن سينفتح ذهنه.

هذا مثل حتى في الخطابة، إذا رأى صوته عذب وما يحركه في الخطابة، وشخص ما عنده حس لكن مع مرور الزمن واستمرار الخطابة نقول ينفتح حلقه، ما يصير صوته عذب، لكن يجيد الأطوار، يستهل العبرة.

هذان عنصران مهمان: الذكاء والجد والاجتهاد، هذان بارزان في شخصية الشهيد السعيد السيد محمد باقر الصدر، يوجد عنصر ثالث ورابع.

العنصر الثالث: الرعاية الخاصة.

أكثر علمائنا أنتجوا لوجود رعاية خاصة، الشهيد الصدر رضوان الله عليه كان يتيماً فقد أباه السيد حيدر الصدر، وخاله كان المرجع الكبير الشيخ محمد رضا آل ياسين جار السيد الخوئي بالعمارة السيد حيدر الحلي، فالتفت المرجع الشيخ محمد رضا الياسين للسيد الخوئي، ليقول له: "تلتفت لابني أختي السيد إسماعيل الصدر والسيد محمد باقر الصدر، تعلمهم"، فكان الشهيد الصدر منذ نعومة أظفاره وصغره يذهب إلى بيت السيد الخوئي ويعلمه، نحن نعرف أن السيد الصدر حضر عند السيد الخوئي بحث الخارج، قبل ذلك كانت هناك رعاية خاصة.

وهكذا أكثر علمائنا السيد القائد الخامنئي درس عند أبيه جواد الخامنئي يقول: "درسني الشرائع"، الإيرانيون عادة ما يدرسون الشرائع، يدرسون رسالة عملية أو جامع المقدمات ثم اللمعة في النجف كان عادة يدرسون شرائع الإسلام. يقول: "درسني والدي من البداية من الطهارة إلى الحج، ولما وصلنا إلى الحج قال: الآن أدرسك اللمعة الدمشقية".

هكذا كان الرعاة العلماء والمراجع، أبناءهم رعاية خاصة.

تجد الكثير من العلماء يحضرون مجالس الاستفتاء، يعني الله يرحمه، أستاذنا الميرزا التبريزي كان يحضر مجلس استفتاء السيد أبو القاسم الخوئي، وهذا موجود في الروايات "ورجل العلم والعلماء ومجالسة العلماء"، إذا العنصر الثالث هو الرعاية الخاصة، هنيئاً لمن يحظى برعاية خاصة.

العنصر الرابع: التوسل واللجوء إلى الله والتوسل بأولياء الله.

الشهيد السيد محمد باقر الصدر رحمه الله كان يومياً يخصص ساعة يزور فيها أمير المؤمنين، يجلس مقابل القبر الشريف لعلي بن أبي طالب (ع) ويتأمل ويتفكر في ذهنه مطالب علمية يتفكر فيها ويتأمل فيها، في يوم من الأيام لم يذهب إلى الحرم الشريف، رأت أمه أمير المؤمنين (ع) فقالت لها: "لماذا لم يأت اليوم السيد محمد باقر الصدر إلى الدرس؟".

يا أخي الحسين، مأوى ملائكة أربعة آلاف ملك موجودين تحت قبة الحسين، أضرحة الأئمة عليهم السلام مأوى ملائكة الله.

إذا إنسان يتهجد الله عز وجل، يفتح عليه. هذه عناصر أربعة: الذكاء، الجد والاجتهاد، الرعاية الخاصة، التوسل.

أنا نظري لو شخص ما يمتلك ذكاء ولا عنده جد ولا يحظى برعاية خاصة، لكن عنده صدق نية مع الله ويتوسل بأولياء الله، الله يفتح عليه.

انظروا إلى صاحب الميزان السيد محمد حسين رضوان الله عليه أول ما ذهب إلى النجف الأشرف كان لا يعرف أحداً، ذهب إلى ضريح أمير المؤمنين سلام الله عليه توسل به، رجع إلى البيت، دخل البيت وإذا بالباب يطرق، فتح الباب، رأى سيداً معمماً، نعم، تفضل، أنت الذي دعوتني؟ قال: أنا لم أدعك، من أنت؟

قال: يا سيد محمد حسين الطباطبائي، ألم تذهب إلى قبر علي بن أبي طالب تطلب العون على دراستك؟ قال: نعم.

قال: أمير المؤمنين بعثني إليك.

فكان هو السيد علي القاضي الطباطبائي، هذا العارف الكبير، صاحب الكرامة ولله الأسرار والأسباب: "يا مسبب الأسباب من غير سبب، سبب لنا سبباً لن نستطيع له طلباً".

السيد أبو الفتوح السيد روح الله الموسوي الخميني رضوان الله عليه، كان عنده أساتذة كبار: السيد حسين البروجردي، الملكي التبريزي، الشيخ عبد الكريم الحائري مؤسس الحوزة العلمية وكان يذكر جميع أساتذته بإجلال وإعظام، لكن من بينهم أستاذ واحد يذكره بإجلال أعظم، ويقول "روحي فداه"، ألا وهو العارف الكبير الشيخ محمد علي الشاه آبادي.

آية الله الشيخ محمد علي كان مرشحاً للمرجعية العليا هو تلميذ الميرزا الشيرازي الثاني، صاحب ثورة العشرين محمد تقى الشيرازي المدفون في حرم الحسين ـ رزقنا الله وإياكم الوصول ـ الميرزا الشيرازي الثاني كان في سامراء، لأن الميرزا الشيرازي الأول، السيد محمد حسن الشيرازي، صاحب ثورة التمباك نقل الحوزة إلى سامراء وكان غرض علمائنا أن تبقى الحوزة الشيعية قوية في سامراء، عند حرم الإمامين، الإمام الهادي والحسن العسكري عليهم السلام.

يقول الشاه آبادي: "أنا أردت الرجوع من سامراء إلى إيران"، فقال لي الميرزا الشيخ محمد تقي الشيرازي: "السفر حرام عليك، يجب أن تبقى هنا في سامراء"، يقول: في يوم من الأيام قالت لي أمي: "يا ولدي أحرم عليك البقاء هناك، خذني إلى إيران"، يقول: "أنا صرت بين نارين، أستاذي يقول: يحرم عليك الذهاب والسفر، وأمي تقول: أحرم عليك البقاء، فكيف أجمع بينهما؟"

يقول: "فحزمت وعزمت على السفر مبكراً منذ طلوع الفجر"، يقول: "وإذا أنا أهم بالخروج، وإذا بي أسمع عصا أستاذي، خرجت وإذا هو الميرزا الشيرازي الكبير قال: ألم أقل لك يحرم عليك السفر؟ ويجب أن تبقى في سامراء؟".

فقلت له: "يا شيخ، أنا بين نارين، بين نار أستاذي ونار أمي، أمي لم تستطع البقاء في سامراء، وقالت لي: 'أحرم عليك البقاء، خذني إلى إيران، نرجع إلى إيران'".

يقول: "فسكت الميرزا الشيرازي، فأخذت الأمتعة وسافرت بأمي، وذهب وجلست في طهران".

هذا المرشح للمرجعية العليا كان عنده رسالة عملية، كان متزوجًا ثلاث نساء، هذا من الأمور التي ليست معلومة عن الشيخ الشاه آبادي رحمة الله عليه.

شاء الله شاء الله وأمرضه مرض الشاه آبادي لم يلقى العلاج في طهران لقى العلاج في قم، أنا هذه القصة للشيخ قال: جيب لنا عن أبو الفتوح جبناها، ولم يكن بنائي أجيب قصة.

السيد الإمام الخميني كان طالبًا يدرس في المدرسة الفيضية، رأى الشاه آبادي، الشاه آبادي جاء زيارة وعلاج، رآه من شكله، عرف أنه من أهل الطريقة ومن أهل العرفان، فسأله مسألة فلسفية فأجاب، سأله فأجاب، عرف أنه وارد وواصل في الفلسفة والعرفان.

فقال السيد الإمام للشاه آبادي: "أريدك تدرسني العرفان".

 قال: "أنا ما أدرس عرفان، أنا أدرسك الأسفار".

السيد الإمام كان دارس للأسفار الأربعة لملا صدره.،قال: "نعم، أنا أوافق"، لاحظ كيف ملازمة العالم! ودرسه الأسفار، ثم بعد ذلك انتقل به إلى العرفان.

هذه ترى طريقة فنية، فيه سحب الأستاذ، يقول المرحوم الشيخ المنتظري في كتابه وتقرير بحثه للإمام الخميني: في محاضرات في الأصول، يقول: "كنت أنا وزميلي الشهيد مرتضى مطهري نقول: هذا آقا روح الله الخميني عالم كبير، لكن الناس تجهل علمه، نريد نطلع علمه، ما هي الحيلة؟".

تقدما إليه وقال: "سيدنا، نريدك تدرسنا المجلد الثاني من كفاية الأصول بحث القطع"، فوافق الإمام الخميني.

يقول: "حضرنا الدرس، فأشكلنا إشكالًا، فأجاب، ثم أشكلنا إشكالًا، فقال السيد الإمام الخميني: 'هذا الإشكال جوابه في خارج السطح وليس ضمن متن كفاية الأصول'"، كأنكما أردتما خارج السطح، قالا: "نعم، نحن نريد خارج السطح" فتحولت درس الكفاية إلى بحث خارج الأصول، هذا هو أول دورة للسيد الإمام. درس ثلاث دورات أول دورة تقرير الشيخ المنتظري التي طبعتها مؤسسة آثار الإمام الخميني. يقول: "بهذه الطريقة وبهذه الحيلة، مع الشهيد مطهري، استطعنا أن نجعل السيد الإمام يدرس خارج الأصول، كان يدرس فلسفة، ما كان يدرس فقه وأصول".

عمومًا السيد الإمام أيضًا هكذا مع الشاه آبادي، يقول السيد الإمام: "كنت أحضر أنا وواحد فقط، وبعد ذلك هذا الشخص الآخر ترك الدرس، وبقيت احضر مع الشاه آبادي مدة خمس سنوات في المدرسة الفيضية لوحدي في ظلام الليل".

لاحظ يا أخي إذا الله يعتني بك، يسخر لك أستاذًا يمرضه يطلعه من سامراء، يجيبه إلى طهران، ويمرضه، ويجيبه إلى قم، ويخليك حتى تدرس عنده، إذا كان عندك صدق نية، الله عزّ وجل يطف بك بكل هذا، كيف الله عز وجل ألهم أن موسى أن تضعه في صندوق، وتلقيه في اليم؟! كيف الله عز وجل تحدث في دعاء عرفة: "يا مقيض الركب ليوسف في البلد القفر ومخرجه، وجاعله بعد العبودية ملكًا"، كذا يقول الحسين بن علي في دعاء عرفة.

إلى هنا بينا أربع عناصر مهمة في التحصيل العلمي، الآن نذكر أربع خصائص مهمة في التبليغ، أنت الآن إذا درست وصرت عالمًا، عملت على تقوية ذكائك أولاً، وجدك ثانيًا، وحصلت العناية الخاصة ثالثًا، لجأت إلى الله وتوسلت بأولياء الله رابعًا، وأردت أن تصبح عالمًا نموذجيًا، ومبلغًا مثاليًا ورساليًا، هذه الخصائص التي ينبغي أن تتحلى بها.

هذه الخصائص وردت في كلام أمير المؤمنين عليه أفضل صلوات المصلين، واصفًا الرسول الخاتم، أبا القاسم محمد، قال: "طبيب دوار بطبه، قد أحكم مراهمه وأحماه مواسمه"، هذه العبارة فيها أربع خصائص مهمة نذكرها تباعًا.

الخصيصة الأولى: متخصص خبير.

وهذا ما أشار إليه أمير المؤمنين عليه السلام بقوله "طبيب"، طبيب على وزن فَعيل، صفة مشبهة، تقول حكيم، كثير الحكمة عنده، خبرة في الحكمة، طبيب يعني عنده خبرة في الطب، إذا أردت أن تكون مبلغًا، عليك أن تكون متخصصًا وخبيرًا في المجال الذي تبلغ فيه.

مثلًا: لو درست علم النفس والاجتماع، واكتسبت مهارات التعاطي مع الآخرين، لو درست لغة الجسد وأنت خطيب، لو درست فنون الخطابة وفن الإلقاء، هنا ستكون الرجل المناسب في المكان المناسب، لأنك متخصص وخبير.

يا إخوان يا أحبة عندنا علوم حوزوية ومتون إسلامية وعلوم إنسانية، متون أن حوزوية تدرس المكاسب والرسائل والكفاية ثلاثة، ليس لها نهاية المكاسب، رسائل، كفاية.

القسم الثاني: المتون الإسلامية مثل تفسير القرآن الكريم، ثانيًا شرح نهج البلاغة، ثالثًا شرح الصحيفة السجادية، رابعًا شرح الزيارة للجامعة، خامسًا شرح الأدعية والزيارات مثل: دعاء كميل، دعاء أبي حمزة الثمالي، دعاء الإمام الحسين في يوم عرفة، زيارة وارث، زيارة عاشوراء.

للأسف الشديد، الكثير من الطلبة يشتغل بالمقدمة ويترك ذا المقدمة، أنت تدرس المنطق والبلاغة والنحو والصرف والفقه والأصول، مقدمة لفهم كتاب الله، مقدمة لفهم أحاديث رسول الله، لكن للأسف، صار يعاب هذا ضعيف يدرس تفسير ونهج البلاغة، شرح الصحيفة السجادية، لأنه لا يقدر على تدريس الفقه والأصول، هذا اشتباه وخلل بالفهم، دراسة الفقه والأصول مطلوب، لكن ينبغي أن تكون توأمة.

لذلك يا أخوة، قد تصل إلى البحث الخارجي وقد تصبح مجتهدًا، لكن تكون ضعيفًا في المعاني الإسلامية والمعارف الإسلامية، عندما تطلع على كتاب "كمال الدين وتمام النعمة" للصدوق، كتاب "الغيبة" للشيخ الطوسي، وكتاب "الغيبة" للنعماني، و"أصول الكافي" للكليني.

في القسم الثالث العلوم الإنسانية، واذكر منها عشرة علوم، هذه ليست ضرورية للطالب، لكن إذا أَلِمَ بها، يصير مبلغًا، هذه العشرة بينها ثلاثة أخوة: علم النفس، وعلم الاجتماع، وعلم التربية، وثلاثة إخوان: علم السياسة، وعلم الاقتصاد، وعلم القانون، وأخوان: الفلسفة والتاريخ، وأخوان: الإدارة والإعلام.

يا أخي، إذا عَندنا شيخ دارس فقه وأصول بشكل متميز، ومطلع على معارف أهل البيت، ومطلع على التفسير ونهج البلاغة والصحيفة السجادية والزيارة الجامعة ودعاء مكارم الأخلاق، وعنده اطلاع وخبرة على علم النفس والاجتماع والتربية والإدارة والإعلام، هذا يا أخي قنبلة! هذه وين تخلية؟ يصير شخصية جذابة فريدة، لا بد أن نأخذ بأسباب العلم، في الرواية "العلم سلطان من صيره صير إليه ومن تركه صير عليه".

الأخذ بأسباب بالعلم، يقول: الغرب غزا الشرق نتيجة الأخذ بأسباب العلم، من خلال علم النفس الاجتماعي والدعاية والإعلام والمكر والخداع، سيطروا.

إذاً، أول خصيصة من صفات المبلغ النموذجي هي التخصص والخبرة.

الصفة الثانية: امتلاك زمام المبادرة.

قال: "دوار بطبه"، دوار على وزن فعال، صيغة مبالغة، تقول "قتّال" أي كثير القتل، قوال كثير القول، "دوار" يعني كثير الدوران.

أنا أسألكم سؤالاً: الآن الموجود هل الطبيب يذهب ويدور على بيوت الناس ويسألهم؟ هل عندكم ويعالجهم، أم أن الطبيب عنده عيادة والناس يقصدونه والمرضى يقصدونه؟ الموجود الآن الناس تراجع.

أمير المؤمنين يصف النبي، قال: "دوار بطبه"، لم يقل "يدور الناس حوله لأخذ الطبابة"، يعني مثل طبيب يطالع عيونهم، يشوف المرض، يقول: "أرى يدك، معك المرض الفلاني، أرى وجهك، معك المرض الفلاني"، هو الذي يبادر.

بعض طلاب العلم يرجع لمنطقته، من البيت إلى المسجد، المسجد البيت، يقول: "أنا أؤدي وظيفتي الشرعية". ما هي وظيفتك الشرعية؟ قال: "السؤال الشرعي، إذا سألوني أجاوب، والحق الشرعي إذا عطوني خمس أقبلة، وكفى الله المؤمنين القتال".

إن انقطاع هذا الدور التبليغي كله تلخصه في ثلاثة أشياء: السؤال الشرعي، والحق الشرعي، والاستخارة، لا، يا أخي، أنت الآن موجود في البحرين، الجلسات الشبابية بعد دعاء الندبة، أنت يا أخي، خل يكون شعارك "منكم، وفيكم، وإليكم"، (لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم).

إذاً، الصفة الثانية هي امتلاك زمام المبادرة.

يا أخوة، هناك ناس ينفعلون بالحدث، وهناك ناس يصنعون الحدث، هو فعلي وآخر انفعالي، المبلغ القيادي والرسالي هو الذي يمتلك زمام المبادرة، لا ينتظر الناس تجيء إليه، هو يذهب إلى الناس، هذا يصير خلية نحل، أي مكان يروح يصير مصداق لقوله: "وجعلني مباركًا أينما كنت".

سيدي القائد الخامنئي، ولا بأس بالإشارة إلى هذه النقطة، سيدي الإمام الخميني رضوان الله عليه، كان حوله مجموعة من علماء الدين، أكثرهم تقليديين. بالفارسية يقال لهم "سنتي"، قلائل منهم "تشكيلاتي"، يعني عقلية مؤسساتية.

لاحظ، السيد علي الخامنئي كان عالم مشهد الكبير، هو المرجع الكبير السيد علي الميلاني رضوان الله عليه، تلميذ المحقق الأصفهاني، أبرز عالمين متحركين في مشهد هما الشهيد السيد هاشمي نجاد، واليوم باسمه مطار مشهد، ومدفون بجوار الإمام الرضا، مقابل قبر الشهيد السيد رئيسي، هذا كان مشهورًا بتدريس الكفاية.

والسيد علي الخامنئي حفظه الله كان مشهورًا بتدريس المكاسب، السيد الخامنئي لديه ثلاث جلسات: الجلسة الأولى مع علماء مشهد، الجلسة الثانية مع تجار مشهد، والجلسة الثالثة مع شباب مشهد والجامعيين.

لاحظ العقلية الحركية، جمع المال التجار، المشروعية الدينية علماء الدين، الكوادر البشرية الشباب والجامعيين، كلهم جلسة على انفراد، وبعد ذلك دمج الجلسات.

لهذا قال مسؤول السافاك: "أنا أعرف، أنت الذي تحرك المظاهرات في مشهد، لكن ما عندي عليك دليل"، لما نفوه إلى مدينة إيران شاهب السنية، هناك أيضًا حرك الشعب.

المبلغ الرسالي، دوار بطبه، مبارك أينما كان، يصنع الحدث، لا أنه يصنع بالحدث.

الصفة الثالثة: الدواء الناجعن، قال: "قد أحكم مراهمه"، يعني الوصفات التي كانت عند النبي، أدوية صحيحة وناجعة، أحيانًا أنت تذهب إلى طبيب ويعطيك دواءً، تقول له: دمر الله حياتك، يوم شربت هذا الدواء، تخربطت حياتي، صرت أسوأ. أنا جيتك أمشي، الآن على كرسي الله يلعن اليوم الذي شفناك فيه، لكن يوجد طبيب إذا تروح إليه يعيدك دواء قوي جدًا.

سؤال: أين تكمن قوة الطبيب؟

الجواب في أمرين: في دقة تشخيص الداء والمرض، وثانيًا في دقة تشخيص الدواء، يمكن لطبيب حاذق في تشخيص المرض، لكنه ما يعطيك دواءً، لكن يوجد طبيب قوي في تشخيص المرض، وقوي أيضًا في تشخيص العلاج، النبي "قد أحكم مراهمه"، يعني عنده مراهم وأدوية محكمة وقوية.

إذاً، الصفة الثالثة هي الدواء الناجع.

الصفة الرابعة والأخيرة: الأدوية الجاهزة.

قال: "وأحمي مواسمه"، قد تذهب إلى طبيب يقول: "علاجك هو أن أحمي لك حديدًا وأكويك"، مدة الطبيب يحمي حديد يكون مات هذا المريض، لأن الوصفة غير جاهزة، الإمام علي يقول: النبي يمشي والحديدة حامية، يمشي عنده مراهم قوية وحدايد محمية، وهو الذي يبادر، أنت نشويك بالحديدة جاهزة الحديدة، أنت لك هذا المرهم.

هذه الصفات الأربع إذا عدنا مبلغًا هكذا خطيب، فقيه وباحث اجتماعي، وباحث أسري، ومدرس حوزة، أولًا خبير ومتخصص في تخصصه كطبيب، ثانيًا زمام المبادرة هو الذي يبادر ما ينتظر يكلمونه، ثالثًا يمتلك دواءً مفيدًا وناجح، "قد أحكم مراهمهم"، رابعاً يمتلك الدواء الجاهز.

هكذا نضرب مثلًا؛ يجون يسألون: "شيخنا، لك الفضل، الفضل لله، تفضل، هل يجوز كذا وكذا؟"، والله ما أعلم! أراجع؛ هذا جيد ورع وتقوى، لكن ما يمتلك "وأحمي مواسمه"، الجواب ليس جاهزًا عنده، النبي كان دائمًا الجواب جاهزًا، العلاج جاهز.

إذا حصلنا على طالب علم ممتلئ الخصائص الثمان ـ الإمام الرضا الإمام الثاني أ أول أربع خصائص في تحصيله: أولًا عنده ذكاء، ثانيًا عنده جد، ثالثًا عنده رعاية خاصة، رابعًا عنده توسل بالنبي والأئمة عليهم السلام. هذا في تحصيله، في تبليغه، امتلك الخصائص الأربعة: أولًا خبير في تخصصه، ثانيًا يمتلك زمام المبادرة، فعلي ولا انفعالي، ثالثًا عنده دواء قوي، إذا تسأله سؤال يجاوب جواب محكم. رابعًا عنده أجوبة جاهزة، هذا مبلغ خوش مبلغ دلوني عليه حتى أتعلم على يده.

وفقكم الله جميعًا لما يحب ويرضى، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا ونبينا محمدٍ وآله الطاهرين