طرق ثبوت الهلال
شیخ الدقاق

31 - ردّ أدلة حجية قول الفلكي في إمكانية رؤية الهلال

طرق ثبوت الهلال

  • الكتاب: عروة الوثقى
  • الجزء

    -

  • الصفحة  

    -

30

2024 | مايو

10 شهر رمضان 1445
21 مارس 2024

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمدالله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين

اللهم كن لوليك الحجة بن الحسن صلواتك عليه وعلى آبائه في هذه الساعة وفي كل ساعة وليًا وحافظًا وقائدًا وناصرًا ودليًلا وعينًا حتى تسكنه أرضك طوعًا وتمتعه فيها طويلًا برحمتك يا أرحم الراحمين.

ردّ أدلة حجية قول الفلكي في إمكانية رؤية الهلال

قلنا توجد ثلاثة احتمالات في ثبوت الشهر الشرعي:

الاحتمال الأول أن الشهر الشرعي يتحقق بمجرد ولادة الهلال، وهذا ما رددناه حينما تطرقنا إلى ردّ الاحتمال الأول، وقلنا إن الهلال الشرعي مغاير للهلال التكويني، الهلال الشرعي لا يتحقق بمجرد الولادة التكوينية للهلال.

الاحتمال الثاني إن الهلال والشهر الشرعي يتحقق بإمكانية رؤية الهلال، فالهلال والشهر القمري الشرعي يتوقف على مجموع أمرين:

الأول ولادة الهلال تكويناً.

الثاني إمكانية رؤية الهلال ولو لم يرى خارجاً، فإذا شهد الفلكي بولادة الهلال أولاً وإمكانية رؤيته ثانياً تحقق الشهر الشرعي، وهذا ما سنرده في بحثنا، وبذلك يبطل الاحتمال الثاني ويتعين الاحتمال الثالث.

الاحتمال الثالث إن الشهر القمري الشرعي يتحقق رؤية البصرية بالعين المجردة فإذا رأته فعلاً تحقق الشهر القمري ولا يكتفى بمجرد إمكانية رؤية الهلال فإذا شهد الفلكي بإمكانية رؤية الهلال ولم يرى فحينئذ لا يؤخذ بقوله ولا يكون قوله حجة.

ولنتطرق إلى أدلة المثبتين أي من أثبت حجية قول الفلك في شهادته بإمكان رؤية الهلال، ويمكن أن يتمسك بدليلين لإثبات حجية قول الفلكي في إمكانية رؤية الهلال:

الدليل الأول التمسك بإفادته للعلم.

الدليل الثاني التمسك من باب إفادته للظن وأن الظن الحاصل من قول الفلكي حجة من باب حجية الظن الحاصل من قول أهل الخبرة، ولنشرع في تفصيل بيان هذين الدليلين:

الدليل الأول على حجية قول الفلكي، وهو يتركب من مقدمتين:

المقدمة الأولى المستفاد من أدلة طرق إثبات الهلال أن هذه الطرق مأخوذ على نحو الطريقية لتحصيل العلم ولم تؤخذ بنحو الموضوعية، فشهادة البينة والرؤية بالعين المجردة ومضي ثلاثين يوماً قد أخذت كطريق لمعرفة خروج الهلال تكويناً وإمكانية رؤيته خارجاً.

المقدمة الثانية إن قول الفلكي يفيد العلم والقطع واليقين ولا أقل من أن كلامه يفيد الاطمئنان وكلاهما حجة فشهادة الفلكين بتولد الهلال أو بإمكانية رؤيته تفيد اليقين أو الاطمئنان وكل منهما حجة.

أما القطع فحجيته عقلية وأما الاطمئنان فحجيته عقلائية لأنه علم عرفي والسيرة العقلائية قامت على الاكتفاء به وهي ممضاة من الشارع المقدس.

فتكون النتيجة إذا شهد الفلك بأن الهلال قد ولد أولاً كما رؤيته ثانياً فحينئذٍ يثبت الهلال الشرعي.

ويمكن أن يستدل للمقدمة الأولى والثانية، ويؤخذ بشواهد من كلمات الأعاظم من فقهائنا.

فيدل على المقدمة الأولى وهي دلالة النصوص على الطريق دون الموضوعية ما جاء في جواب السيد أبو القاسم على رسالة تلميذه السيد محمد حسين الحسين الطهراني في الرسالة المطبوعة تحت عنوان رؤية الهلال، من أن الرؤية أخذت طريقاً إلى ما هو تمام الموضوع أعني دخول الشهر.

فإن الذي يستفاد من الكتاب العزيز وجوب الصوم به حيث قال: (كتب عليكم الصيام) إلى قوله (شهر رمضان).

ثم إن السيد الخوئي ـ رحمه الله ـ ذكر شواهد أربعة على ما أفاده من طريقية الرؤية، وهي:

الأول اعتبار البينة مقام الرؤية، فلو كانت الرؤية جزءً بنحو الصفتية لتكون الرؤية في الأدلة مأخوذة بنحو الموضوعية لا ما استقام قيام البينة مقامها لأن مقتضى كون الرؤية مأخوذة بنحو الصفة هي عدم ثبوت الحكم ما لم يكن الهلال مرئياً بالفعل.

الثاني عد الثلاثين إذا لم تتيسر الرؤية والبينة حيث إنه يوجب العلم بخروج السابق ودخول اللاحق.

الثالث وجوب قضاء يوم الشك الذي أفطره لعدم الطريق إلى ثبوت الشهر لو تبين بعد ذلك بالبينة أو بالرؤية ليلة التاسع والعشرين من صومه ثبوت الشهر في يوم إفطاره ولم يكن قد صامه فيكون قد فات عنه الواجب الواقعي فهذا ثابت بالنصّ والفتوى ولا خلاف فيهما.

الرابع إجزاء صومه إذا صامه بنية شعبان أو صوم آخر كان عليه فتبين بعد أنه من رمضان معللاً في النصوص بأنه يوم وفق له ولا يخفى أن الإجزاء فرع ثبوت التكليف.

يراجع رسالة رؤية الهلال للسيد الطهراني صفحة واحد وثمانين.

وهذه الشواهد الأربعة قد ذكرها ونقلها أيضاً الشيخ جعفر السبحاني في هذه الصنف الشريعة الغراء الجزء الثاني صفحة مائة وأربعة وأربعين.

والمقدمة الأولى تامة لا غبار عليها فأكثر الفقهاء كالسيد الخوئي ـ رحمه الله ـ والسيد السيستاني ـ أيده الله ـ قد ذهبوا إلى أن رؤية الهلال أخذت كطريق لاكتشاف الهلال الشرعي ولم تؤخذ كموضوع، فالرؤية أخذت بنحو الطريقية لا بنحو الموضوعية، ولذلك التزموا بأن الهلال لو رؤي في البلد الشرقي ولم يرى في البلد الغربي لثبت الهلال في البلد الغربي مع أنه لم يرى بالعين المجردة في البلد الغربي، وذلك للقطع بأنه لو رؤية في البلد الشرقي فإنه يلزم منه أنه يرى في البلد الغربي، فلا موضوعية لنفس الرؤية بالعين المجردة.

لكن الكالم في المقدمة الثانية وهي أن قول الفلكي يفيد العلم والقطع واليقين فقد يدعى أن المقدمة الثانية من القضايا التي قياساتها معها ولا تحتاج إلى دليل وبرهان لأن الشواهد الخارجية كثيرة جداً على صحة كلام الفلكيين فكلامهم دقيق جداً في الكسوف والخسوف وتحديد موضع القبلة ودخول الأوقات مما يعني أن كلامهم يفيد العلم والقطع واليقين فإذا شهدوا بالرؤية أمكن الأخذ بكلامهم.

وهذا يعتمد على المنهج الفقيه واستظهار الفقيه للأدلة فهناك من ذهب إلى اشتراط إمكانية رؤية الهلال بالعين المجردة العادية كالشهيد الصدر[1] ـ رضوان الله عليه ـ، وقد أشير إلى هذا المبنى في كتاب الشيخ جعفر السبحاني[2].

وهناك من اشترط في ثبوت الهلال اعتبار الرؤية الحسية والفعلية كالسيد الخوئي ـ رضوان الله تعالى عليه ـ والسيد السيستاني ـ حفظه الله ـ، وحينئذ لن يتم هذا المبنى فالمقدمة الثانية تدعي أن كلام الفلكي دائما يفيد العلم أو الاطمئنان وهذا ليس بتام.

والسر في ذلك: هو التفريق أصل رؤية الهلال وبين إمكانية رؤية الهلال، فيمكن قبول كلام الفلكيين في شهادتهم بأصل تولد الهلال إذ أن هذا يعتمد على رصد الظواهر الكونية والفلكية ومعرفة هذه الحسابات الدقيقة فيكون الإخبار عن أصل ولادة الهلال كإخبارهم عن ظاهرة الكسوف والخسوف وغيرهما من الظواهر الكونية ويكون عادة يفيد العلم ولا أقل يفيد الاطمئنان.

لكن شهادتهم بإمكانية رؤية الهلال إما بالعين المجردة أو العين المسلحة فهذا عادة ما يختلفون فيه لأنهم يختلف في معايير إمكانية رؤية الهلال، وقد ذكروا عدة معايير:

المعيار الأول عمر الهلال وبعده عن الأرض.

المعيار الثاني مدة مكث الهلال وبقائه في الأفق.

المعيار الثالث مقدار ارتفاع الهلال عن الأرض وبعده الزاوي عن الشمس.

وهذه المعايير الثلاثة قد اختلفوا فيها فالدليل الأول ليس بتام.

وخلاصة المناقشة إننا نقبل المقدمة الأولى من أن الرؤية في الأدلة أخذت بنحو الطريقية لا الموضوعية كما أننا نقبل كبرى المقدمة الثانية وهي أن قول الفلكي لو أفاد العلم أو الاطمئنان فهو حجة، لكننا ننكر صغرى المقدمة الثانية وهي أن قول الفلكي دائماً يفيد العلم أو او الاطمئنان.

والخلاصة:

قول الفلكي ليس بحجة إذ لم تثبت الحجية لعنوان الفلكي كما ثبتت الحجية لعنوان البينة أو مضي ثلاثين يوما أو رؤية الهلال بالعين المجردة. نعم، لو أفاد قول الفلكي العلم أو القطع أو الاطمئنان كان حجة من جهة حجية وحجية مطلق العلم والقطع واليقين الذي حجيته ذاتية عقلية أو من باب حجية الاطمئنان الذي حجيته عقلائية، فإذا أخبر الفلكي ينظر في كلامه إن أفاد القطع واليقين أمكن العمل به من جهة حجية العلم لا من جهة ثبوت الحجية لنفس شهادته بإمكان رؤية فشهادته لا تفيد العلم دائماً.

ومن يلتزم بحجية قول الفلكي بناءً على الدليل الأول يرى أن كلام الفلكي دائماً يفيد العلم ولا أقل من الاطمئنان.

فالدليل الأول ليس بتام صغرى وإن التزمنا بتمامية المقدمة الثانية كبرى وتمامية المقدمة الأولى.

الدليل الثاني على حجية قول الفلكين ما يظهر من كلام السيد أحمد الخونساري[3] من أن الاعتماد على قول الفلكي من باب كونه خبيراً فيكون التعويل على قول الفلكي تعويلاّ على كلام أهل الخبرة قال ـ رحمه الله ـ :

«قد يقع الاتفاق بين مهرة الفن فيشكل رفع اليد عن قولهم مع أنهم أهل خبرة».

وقد يستفاد مثل هذا الكلام من السيد تقي القمي ـ رحمه الله ـ إذ قال تعقيباً على عدم ثبوت الهلال بقول المنجمين بأن ثبوت الهلال يتوقف على الرؤية أو شهادة عدلين قال:

«ولولاه لكان للقول باعتبار قولهم مجال لأنهم من أهل الخبرة، والرجوع إلى أهل الخبرة موافق للأصل الأولي»[4].

وفيه: لم تثبت حجية الظن الحاصل من قول أهل الخبرة والأصل في الظن عدم الحجية إلا ما خرج بالدليل، وقد خرج بالدليل حجية خبر الواحد الثقة في الأحكام، وأما في الموضوعات فقد ثبت حجية البينة العادلة وإن كان الكثير من الأعلام في عصرنا يرون حجية خبر الثقة مطلقاً في الموضوعات والأحكام معاً كما هو ليس ببعيد، وأما ثبوت بخصوص عنوان أهل الخبرة فلا دليل عليه.

والظاهر من قولهم وكلماتهم في بحث حجية خبر البينة أو الثقة هو خصوص الخبر الحسي دون الخبر الحدسي بينما ظاهر كلامهم في قول أهل الخبراء هو الخبر الحدسي لا الخبر الحسي، وما نحن فيه من إخبار الفلكي قد يقال: إن المراد الخبر الحسي لا الخبر الحدسي، وقد يقال بحجية خبر أهل خبرة الأعم من الخبر الحسي والخبر الحدسي، وتفصيل ذلك في بحث حجية خبر الواحد من علم الأصول، والصحيح أن الحجية لم تثبت لقول أهل فلا يتم الدليل الثاني.

إذا الدليلان اللذان يمكن أن يقاما على حجية خبر الثقة حجية قول الفلكي لا يمكن المساعدة عليهما، الدليل الأول أن قوله يفيد العلم والقطع وهذا ليس بتام، والدليل الثاني أنه إخبار أهل الخبرة وقول أهل الخبرة حجة وهذا ليس بتام، فلم يثبت المقتضي أي مقتضي ثبوت الحجية لقول الفلكي، ولا داعي لبحث البحث الثاني وهو الموانع إلا إذا تحبون نبحثها، فهناك ربما تقام خمسة موانع تمنع من الأخذ بقول الفلكي:

المانع الأول ما ورد نهي النبي ـ صلى الله عليه وآله ـ عن الأخذ بقول المنجمين، وقد اتضح أن التنجيم شيء وعلم الفللك شيء آخر فلا يشمله.

الدليل الثاني إن قول الفلكي لا يوجب العلم دائماً، وقد اتضح أن قول الفلك قد يوجب العلم وقد لا يوجب العلم في أكثر الأحيان فلا يؤخذ به.

الدليل الثالث للمنع إن النصوص المشير لثبوت الهلال لم تذكر قول الفلكي بل ذكرك شهادة البينة والرؤية بالعين المجردة ومضي ثلاثين يوماً فحصرت ثبوت الهلال بشهادة البينة ومضي ثلاثين يوماً، وما عداهما لا يثبت الهلال ومنه قول الفلكي، وهذا قد يفهم من كلام السيد الخوئي[5] ـ رضوان الله عليه ـ .

وصدور هذا الكلام منه ـ رحمه الله ـ غريب عجيب إذ أنه يرى ثبوت الهلال بالتطويق والتطويق خارج عن الأمرين: البينة والمضي ثلاثين يوماً فهذا المانع الثالث ليس بمعنى المانع.

الرابع البناء على أن الرؤية المأخوذة في النصوص الدالة على ثبوت الهلال مثل قوله ـ صلى الله عليه وآله ـ : «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته» قد بنحو الموضوع لا بنحو الطريقية.

والصحيح أنها مأخوذة بنحو الطريقة لا الموضوعية وهذا ما ذهب إليه أكثر الفقهاء.

فهذه الموانع التي قد تذكر لا تشكل مانعاً لكن الكلام كل الكلام في المقتضي، وهو الدليلان:

الأول أن قول الفلكي يفيد العلم والثاني أن الفلكي خبير فيؤخذ بالظن الحاصل منه وهذا ليس بتام.

وأما الموانع الأربعة فليس التامة، ولذلك يلحظ ما ذكره الشهيد الصدر الأول والشهيد الصدر الثاني ـ رضوان الله عليهما ـ بالنسبة إلى قول الفلكي.

يقول الشهيد الصدر الأول:

«ينبغي أن يلحظ متى مدى ما يمكن استفادته من الوسائل العلمية الحديثة من الأدوات المقربة والرصد الفلكي فإن رؤية الهلال بهذه الوسائل وإن لم تكن كافية في إثبات الشهر، ولكن إذا افترضنا أن التطلع إلى الأفق رصدياً لم يتحرز من رؤية الهلال فهذا عامل سلبي يزيل من نفس الإنسان الوثوق بالشهادات ولو كثرت إذ كيف يرى الناس بعيونهم المجردة ما عجز الرصد العلمي عن رؤيته»[6].

وخلاصة كلامه:

إن الرؤية والشهادة أمارة وهي ظنية ولا حجية لها عند القطع والعلم بعدمها فإذا أفاد قول القطع بعدم ولادة الهلال فحينئذ يعلم أن الشهادة مسلوبة الحجية هذا الأخذ بقول الفلكي في الجانب السلبي هذا واضح إذا أفاد القطع فإنه يسلب الحجية عن شهادة البينة، لكن الكلام كل الكلام فيه الأخذ بكلامه في الأمر الإيجابي هل شهادته بإمكانية الرؤية تثبت الهلال أو لا؟

الجواب: لا تثبت رؤية الهلال إلا إذا أفاد القطع واليقين، والله العالم.

هذا تمام الكلام في حجية قول الفلكي، واتضح أنه ليس بحجة، فالصحيح هو الاحتمال الثاني وهو ضرورة الأخذ بالرؤية بالعين المجردة الفعلية الحسية، والله العالم وهو الهادي إلى سواء السبيل.

وبذلك نختم البحث في رسالة رؤية الهلال.

أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، إنه غفور رحيم وتواب حليم، والحمد لله ربّ العالمين، وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين.

 

[1]  الفتاوى الواضحة، ص 709.

[2]  الصوم في الشريعة الإسلامية، ج 2، ص 141 و 143.

[3]  جامع المدارك، ج 2، ص 200.

[4]  مباني منهاج الصالحين، ج 6، ص 216.

[5]  موسوعة الإمام الخوئي، ج 22، ص 91.

[6]  الفتاوى الواضحة، ص 630.

ما وراء الفقه، الشهيد الصدر الثاني، ج 2، ص 117.

تعاليق مبسوط للشيخ الفياض، ج 5، ص 187.

00:00

30

2024
| مايو
جلسات أخرى من هذه الدورة 31 الجلسة

30

مايو | 2024
  • الكتاب: عروة الوثقى
  • الجزء

    -

  • -

    الصفحة
جلسات أخرى من هذه الدورة
31 الجلسة