شرح دعاء الكميل
شیخ الدقاق

04 - شرح (وبقوتك التي قهرت بها كل شيء)

شرح دعاء الكميل

  • الكتاب: شرح دعاء الكميل
  • الجزء

    01

  • الصفحة  

    -

19

2024 | ديسمبر

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمدالله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين

اللهم كن لوليك الحجة بن الحسن صلواتك عليه وعلى آبائه في هذه الساعة وفي كل ساعة وليًا وحافظًا وقائدًا وناصرًا ودليًلا وعينًا حتى تسكنه أرضك طوعًا وتمتعه فيها طويلًا برحمتك يا أرحم الراحمين.

 وبقوتك التي قهرت بها كل شيء

شرح قوله عليه السلام: "وبقوتك التي قهرت بها كل شيء".

ابتدأ أمير المؤمنين عليه السلام دعاء كميل، وقد رجحنا أن الألفاظ لأمير المؤمنين ومضمون الدعاء للخضر عليهما السلام، ابتدأ الدعاء بقوله: "اللهم إني أسألك برحمتك التي وسعت كل شيء"، فابتدأ بالرحمة، ثم عطف بالقوة فقال: "وبقوتك التي قهرت بها كل شيء".

الباء للقسم، والقوة ضد الضعف، وهي طاقة، وقوة الله ليست كقوة العبد، فقوة العبد من سنخ القوى العشر التي تذكر كالسامعة والباصرة والشامة والذائقة واللامسة والعاقلة وغيرها من قوى الإنسان التي تدرك الكليات والجزئيات، لكن قدرة الإنسان محدودة ومتناهية، وقدرة الله ليست متناهية، وغير محدودة، قدرة الله ذاتية، وقدرة الإنسان بالغير، من هنا، أقسم أمير المؤمنين عليه أفضل صلوات المصلين على الله بقدرته الذاتية.

"التي قهرت بها كل شيء" الله عز وجل إذا قضى أمراً فإنما يقول له: "كن فيكون".

لاحظ روعة الانتقال في الدعاء من التوسل إلى الله برحمته إلى التضرع إلى الله بالقسم عليه بقوته القاهرة، وقوة الله تتجسد في كل آيات القدرة في هذا الوجود. ألاحظ وجه عطف القوة على القدرة: "اللهم إني أسألك برحمتك التي وسعت كل شيء"، فقد يقال إن هذه الرحمة ناشئة من ضعف، فأحياناً يرحم الإنسان شخصاً خوفًا منه أو لمصلحةٍ، لكن الله عز وجل يرحم عن قوة واقتدار، فقال: "اللهم إني أسألك برحمتك التي وسعت كل شيء"، ولا تتوهم أن هذه الرحمة ناشئة عن ضعف، بل أقسم عليك يا ربي بقوتك التي قهرت بها كل شيء.

فالرحمة الإلهية ليست عن قصور في الذات الإلهية المقدسة، بل هي عن قوة في الذات الإلهية وهي القدرة، فالله عز وجل إذا غفر، فعن قدرة، وإذا عفى، فعن رفعة.

ثم قال عليه السلام: "وخضع لها كل شيء".

الخضوع هو الانقياد، والضمير في قوله "لها" يعود إلى القدرة، يعني يا ربي أقسم عليك بقدرتك التي قهرت بها كل شيء في هذا الوجود.

سؤال: قدرة الله إذا قهر بها كل شيء، فما الداعي لوصفها بقوله عليه السلام: "وخضع لها كل شيء"؟ إذ من الواضح أن قدرة الله إذا قهرت كل شيء، سيخضع لها كل شيء أيضًا.

والجواب: إن هذا العطف بالإخبار بالخضوع يحمل بين طياته معنى دقيقاً، فإن الغلبة والقهر لا تستلزمان الانقياد للغالب نفسيًا، فالإنسان الذي بقوته يقهر الناس، فإنه يسيطر على أفعالهم خارجيًا، لكنه لا يمتلك نفسياتهم داخليًا، فمن الداخل لا يخضع الناس للظالم، لكن من الخارج يكونون مقهورين، فأراد الإمام عليه السلام أن يثبت أن قهر الله للأشياء بقوته لا يكون مع عدم انقياد الأشياء نفسيًا لله عز وجل، بل يوجد انسجام بين القهر الخارجي والخضوع النفسي الداخلي، فالتغلب على الشيء ليس معناه أن ذلك الشيء يتقبل نفسيًا، بل أقصى ما يدل عليه أن ذلك الشيء تحت سيطرته وسلطانه، فلو غزا ملك بلدًا آخر واحتله وسيطر عليه، فإنه تحت سطوته وسلطانه، لكن قلوب الناس لا تكون بالضرورة منقادة له.

فيصير المقطع الثاني: "وخضع لها كل شيء" إشارة إلى أن هذه الأشياء قد انقادت وخضعت لله تبارك وتعالى.

ثم قال عليه السلام: "وذل لها كل شيء".

ذل جاءت في اللغة العربية بمعنيين:

المعنى الأول مأخوذ من الذل بالكس، وهو ضد الصعوبة، أي انقاد. فيكون معنى الجملة على هذا التقدير: وبقدرتك التي انقاد لها كل شيء.

المعنى الثاني مأخوذ من الذل بالضم، وهو ضد العز، ومعنى إن الشيء هان. فيكون المعنى: وأسألك بقدرتك التي هان لها كل شيء.

فما هو المعنى الأمثل من هذين المعنيين؟

الجواب: المعنى الثاني هو الأنسب، وهو الذل بالضم، لأننا لو حملنا العبارة على المعنى الأول، أي الانقياد، في هذه الحالة تصير عبارة "وخضع لها كل شيء" و"ذل لها كل شيء" تفنن في التعبير.

والأصل في اللغة العربية في العطف هو التأسيس، فإذا جاءتنا عبارة ودار الأمر بين التأسيس والتوكيد، أي أن المتكلم حينما تكلم هل أسس لفكرة جديدة، وأراد أن يأتي بفكرة جديدة، أو أنه كرر فكرته السابقة، وأراد أن يوضحها ويؤكدها، إذا شككنا، يقولون في اللغة العربية: الأصل هو التأسيس لا التوكيد، ودائمًا مجرى الأصل هو الشك.

هنا الآن هذه العبارة: "وذل لها كل شيء"، شككنا في أن لفظ "ذل" هل هو بمعنى هان، أم هو من الذل أي الانقياد؟ فإذا حملناها على المعنى الأول، الذل بمعنى الانقياد، يصير معنى "وخضع لها كل شيء وذل لها كل شيء" معنى واحد، وتصير عبارة "ذل لها كل شيء" مؤكد "وخشع لها كل شيء".

بخلاف ما لو حملناها على المعنى الثاني: الذل، فيصير المعنى الأول: "وخضع لها كل شيء" يعني انقاد لها كل شيء، و"ذل لها كل شيء" يعني أصبح كل شيء ذليلاً لقوة الله تبارك وتعالى، فيصير تأسيساً لمطلب جديد، والأصل هو التأسيس لا التوكيد، فيحمل على المعنى الثاني.

إلى هنا أقسم أمير المؤمنين عليه السلام على الله بأمرين: أول شيء أقسم بالرحمة، وثاني شيء أقسم بالقوة، وثالث شيء أقسم بالجبروت، قال عليه السلام: "وبجبروتك التي غلبت بها كل شيء".

جبروت على وزن فعلوت، من صيغ المبالغة بمعنى العظمة والكبر والقدرة والسلطة، وهي صفة توحي بالقهر والغلب والاستعلاء، ولأجل ذلك كان الإتصاف بهذه الصفة من مختصات الله تعالى. الله هو صاحب العظمة، الله هو صاحب الجبروت، فإن وصف غير الله بها كان ذماً، لأنها من مختصات الله، الله هو صاحب العظمة.

الآن بعض الملوك إذا كانوا أنفسهم أصحاب العظام، هذا توهين لهم، لماذا؟ لأن العظمة والجبروت تدل على العز والاستعلاء الحقيقي، والعزيز والمستعلي حقيقة هو الله وحده، وسائر ما عدا عزتهم اعتبارية شكلية مؤقتة.

من هنا، أقسم أمير المؤمنين عليه السلام على الله بعظمته التي اختص بها، لأن عظمة الله حقيقية، وعظمة غيره اعتبارية، والله عز وجل بعظمته وسطوته غلب كل شيء.

القسم الرابع العزة: قال عليه السلام: "وبعزتك التي لا يقوم لها شيء". العزة بالكسر ضد الذلة، وهي مصدر بمعنى الغلب والقهر، مثال ذلك ما جاء في قوله تعالى: "وعزني في الخطاب"، أي غلبني في الاحتجاج.

"وبعزتك التي لا يقوم لها شيء"، في اللغة: قام على الأمر؛ دعم وثبت، فلا يقوم، أي لا يثبت. تقول: لا تقوم له قائمة، يعني لا تثبت له قائمة.

والمعنى: أقسم عليك بغلبتك وقهرك المتمثلان بعزتك التي لا يثبت أمامها شيء، فكل شيء متضائل أمام عزة الله تبارك وتعالى.

إذاً، القسم الأول بالرحمة، القسم الثاني بالقدرة، القسم الثالث بالجبروت، القسم الرابع بالعزة، القسم الخامس بالعظمة، قال عليه السلام: "وبعظمتك التي ملأت كل شيء".

العظمة بالتحريك يعني فتحة فيها، والمراد بها الكبر والنخوة والزهو، العظمة هي لله بالاستقلال والاستغناء عن الغير، فكل عظيم من عظماء الناس محتاج إلى الغير، وعظمة الله تستغني عن الغير، فعظمة العبد عبارة عن تكبره وتجبره وغروره لأنه محتاج، فإذا وصف العبد بالعظمة، فهو ذنب له، لأن العظمة لله وحده لا شريك لها.

حدثني أستاذي المشرف على رسالة الدكتوراه في جامعة طهران، قال لي: في اليوم الذي ناقشوا رسالتي رسالة أستاذي، أطرحوته في الدكتوراه، وأعطوني درجة الدكتوراه، فسألوني: كيف شعورك الآن وأنت قد حصلت على درجة الدكتوراه؟

فأجبت: والله قبل الدكتوراه ذهبت إلى الحمام، وبعد الدكتوراه سأذهب إلى الحمام، أي أنا عبد ضعيف، محتاج إلى أخس الأشياء وأضعف الأشياء، فلا داعي للغرور والتكبر والتجبّر والاغترار بالحصول على شهادة الدكتوراه.

جاء في الحديث القدسي: "العظمة ردائي"، فكيف يشارك الله عز وجل في ردائه وهو عبد ضعيف؟! كما في قوله تعالى: "وإن يسلبهم الذباب شيئًا لا يستنقذوه من ضعف الطالب والمطلوب".

أمير المؤمنين يقسم على الله بعظمته، قال: "وبعظماتك التي ملأت كل شيء".

الضمير في قوله "ملأت" يعود إلى العظمة، تقول: "ملأت الإناء"، أي وضعت فيه بقدر ما يأخذه، فهو مملوء. ومنه القول: "نظرت إليه فملأت منه عيني" كما في "أقرب الموارد".

والمعنى الذي يقصد بهذه الفقرة في الدعاء هو أن يقسم على الله بعظمته التي إذا قيست إلى كل شيء، كان ذلك الشيء مملوءًا ومأخوذًا بتلك الهيبة الإلهية والجلالة القدسية، كما يملأ الماء الإناء حين يصل إلى حافته.

جاء في الدعاء الشريف: "يا من ألبس أولياءه لباس عزته، فهم كرام بين يديه خائفين".

القسم السادس: "وبسلطانك الذي علا كل شيء".

السلطان من السلطنة، وهي القدرة والملك، فالسلطان هو القادر والمتسلط على غيره.

وبسلطانك الذي على كل شيء، يعني سلطنة الله فوق كل السلطنات، لأن سلطنة الله وسلطنة ما عدا الله اعتبارية، فكل الأشياء مسخرة لله ولإرادته، قال تعالى: "والأرض جميعًا قبضته والسماوات مطويات بيمينه" أي إن سلطان الله لا متناهي، ففعل الله اللامتناهي على كل شيء ينشأ من سلطته الجبارة.

إلى هنا ستة أقسام.

القسم السابع: "وبوجهك الباقي"، يأتي عليه الكلام، وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين

00:00

19

2024
| ديسمبر
جلسات أخرى من هذه الدورة 9 الجلسة

19

ديسمبر | 2024
  • الكتاب: شرح دعاء الكميل
  • الجزء

    01

  • -

    الصفحة
جلسات أخرى من هذه الدورة
9 الجلسة