شرح دعاء الكميل
شیخ الدقاق

06 - وبنور وجهك الذي أضاء له كل شيء

شرح دعاء الكميل

  • الكتاب: شرح دعاء الكميل
  • الجزء

    01

  • الصفحة  

    -

11

2025 | يناير

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمدالله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين

اللهم كن لوليك الحجة بن الحسن صلواتك عليه وعلى آبائه في هذه الساعة وفي كل ساعة وليًا وحافظًا وقائدًا وناصرًا ودليًلا وعينًا حتى تسكنه أرضك طوعًا وتمتعه فيها طويلًا برحمتك يا أرحم الراحمين.

وبنور وجهك الذي أضاء له كل شيء

شرح قوله عليه السلام: "وبنور وجهك الذي أضاء له كل شيء".

النور هو الظاهر بنفسه والمظهر لغيره، وهو أعم من الظاهر بنفسه بشكل ذاتي أو من الغير، فالله عز وجل ظاهر بنفسه وبذاته، ولا يستفيد الإظهار من شيء، بخلاف النار والضوء، فإنه ظاهر بذاته ومظهر لغيره، ولكن يستمد هذا النور والضوء من الله تبارك وتعالى.

ومن هنا يتضح أن تفسير النور بمعنى الضوء ليس بدقيق، إذ أن الضوء يختص بالمادة، بخلاف النور الذي ينقسم إلى قسمين: نور مادي يشمل الضوء، ونور معنوي.

فالنور خلاف الظلمة، والنور قسمان: حسي ومعنوي.

أما الحسي فهو ما كان قائمًا بغيره كنور الشمس ونور الكهرباء وغيرهما.

وأما النور المعنوي فهو ما كان قائمًا بذاته.

ونور الله ليس من القسم الأول القائم بغيره، بل هو من القسم الثاني، وهو القائم بذاته، ونور الله ونفحاته القدسية التي يستنير بها كل شيء ويهتدي بها من في السماوات ومن في الأرض، وقد اقتبست هذه الفقرة: "ومن نور وجهك الذي أضاء له كل شيء" من قوله تعالى: "الله نور السماوات والأرض" (سورة النور، آية 35).

سؤال: ما المراد بالوجه وبنور وجهك الذي أضاء له كل شيء؟ والله عز وجل ليس بجسم، فليس له وجه مادي.

والجواب: إن المراد بالوجه هو الذات، وبنور وجهك يعني: وبنور ذاتك يا إلهي، أي هذا قسمٌ وهو آخر الأقسام، وبنور وجهك يعني يا الله، أقسم عليك بذاتك النورانية التي من خلالها أضاء كل شيء، فهنا نور بمعنى منور، كعدل بمعنى عادل، عدل مصدر وعادل اسم فاعل، ويطلق لفظ العدل وهو المصدر على العادل مبالغة في العدالة، كذلك يطلق لفظ النور وهو مصدر على المنور، وهو اسم فاعل مبالغة في عظمة وشدة النور، فقال: "وبنور وجهك"، وهذا أدق وأعمق من قوله "وبوجهك المنور" أو "وبذاتك المنورة"، قال: "وبنور وجهك الذي أضاء له كل شيء" يعني: مصدر إضاءة كل الأشياء هو نور ذاتك يا منور يا الله.

والنور درجات، فالنور مفهوم مشكك فيه مراتب ودرجات، وكلما اقتبس المؤمن من نور الله وملائكته وكتبه ارتقى درجات، قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو عائد من الطائف وقد نفض يديه من الناس ويئس منهم، فقال: "أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت به الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة"، وفاض بها النبي صلى الله عليه وآله وسلم في رحلة الإسراء والمعراج.

"يا نور يا قدوس" ابتدأ أمير المؤمنين عليه السلام دعاءه كما في المسألة: "اللهم إني أسألك برحمتك التي وسعت كل شيء"، ثم أقسم على الله برحمته وبعزته إلى أن يصل إلى القسم الأخير، وهو القسم على الله بنور ذاته، ثم يبدأ بمخاطبة الله: "يا نور يا قدوس، يا أول الأولين".

سؤال: من المعروف في اللغة أن النداء للقريب يكون بـ "أي"، والنداء للبعيد يكون بـ "يا"، والله عز وجل يخاطب عباده، ونحن أقرب إليه من حبل الوريد، وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداعي إذا دعان، فهنا أمير المؤمنين لم يقل "أي رب"، إشارة إلى القرب، بل قال: "يا نور يا قدوس"، فما هو واجه النداء للبعيد؟ يوجد وجهان:

الوجه الأول: بلحاظ المقام لا المكان، بلحاظ المكان؛ فالله عز وجل حاضر في كل مكان، وهو قريب من الإنسان، ولكن بلحاظ مقام الإنسان الممكن، والله عز وجل الواجب الذي هو منتهى الكمالات، فإن الذات الإلهية بحسب كمالاتها والتي هي علة العلل، بلحاظ هذا المقام هي في مقام بعيد، لذلك خوطبت بنداء البعيد: "يا نور يا قدوس" يعني هذا النور المتعالي، هذا القدوس المتعالي في مقامه.

الوجه الثاني: أن العبد إذا أذنب ونظر إلى ذنوبه، أحس أنه بعيد عن ربه، فيناديه بنداء البعيد، لا لأن الله بعيد، بل هو قريب، بل أقرب إليه من حبل الوريد، ولكن حالة الذنوب بين العبد وربه، فقال عليه السلام: "يا نور".

وبهذا ينهي الإمام عليه السلام هذا العرض المتوالي من القسم على الله بصفاته الكريمة، إذ أول قسم برحمته تبارك وتعالى، وآخر قسم بنور الله، ويبدأ الإمام عليه السلام مرحلة جديدة في الدعاء، وهي إظهار الحالة النفسية للداعي، وهي مرحلة النداء والاستغاثة والتوسل بأحلى صفات الله، وهي أربعة: «النور، والقدوس، وأول الأولين، وآخر الآخرين»، وهذه الصفات ذكرت بلحاظ العبد المذنب.

النور الذي هو مصدر الحياة لكل ما هو مسبوق بالعدم، و"يا قدوس" بالضم، والمراد بالقدوس هو الطاهر المنزه من العيوب، فهو من التقديس أي التنزيه، والله عز وجل مقدس ومنزه عن جميع النقائص والعيوب، فهو منزه عن الشريك، والشريك نقصٌ، لأن الشريك يحتاج إلى شريكه، والله منزه عن ذلك.

 

ثم قال عليه السلام: "يا أول الأولين وآخر الآخرين".

في هذا المقطع يشير الإمام عليه السلام إلى أن الله أبدي أزلي سرمدي، فهو موجود منذ الأزل، وهذه حيثية ابتداء، يعني لا سابق له، وباقٍ إلى الأبد، فهو أزلي أبدي.

والسرمدية هي الأزلية الأبدية، تقول: الله سرمدي أي أزلي موجود منذ الأزل، وأبدي أي باقٍ إلى الأبد، فلو وُجد أول، فهو أول الأولين، ولو وُجد آخر، فهو آخر الآخرين، والأول والآخر إنما يكونان بلحاظ الزمان والمكان، والله عز وجل مطلق لا يُقيَّد بزمان ولا مكان، فهنا: يا أول الأولين ويا آخر الآخرين، ليس المراد به سابق الأولين ولا لاحق الآخرين، وإنما المراد: أنت يا الله موجود في كل مكان، فهنا نداءات تتوالى يضرع بها الإمام علي عليه السلام إلى ربه، ويصفه بأنه الأول قبل كل شيء، والآخر بعد الأشياء، يعني لا يوجد شيء قبله، ولا يوجد شيء بعده، فليست الأولية والآخرية زمانيتين بالنسبة إلى الله، لأن حد الله وتحديده بالزمان أو المكان يستلزم نسبة النقص والمحدودية من لوازم الأجسام، والله عز وجل ليس بجسم، فهو فوق الزمان وفوق المكان.

سُئل الإمام الصادق عن الأول والآخر، فقال: الأول لا عن أول قبله ولا عن بدء سبقه، والآخر لا عن نهاية كما يعقل من صفة المخلوقين، ولكن قديم أول وآخر، لم يزل ولا يزال بلا بدء ولا نهاية، لا يقع عليه الحدوث، ولا يحول من حال إلى حال، خالق كل شيء.

أصول الكافي كتاب التوحيد، باب معاني الأسماء واشتقاقاته، الحديث السادس.

أي أن الله قديم وليس بممكن، الممكن هو الذي سبق بالعدم بخلاف القديم الواجب، ثم يبدأ الإمام عليه السلام بطلب المغفرة، فقال عليه السلام: "اللهم اغفر لي الذنوب التي تهتك العصم"، وصنف الذنوب، "اللهم اغفر لي الذنوب التي تنزل النقم، اللهم اغفر لي الذنوب التي تحبس الدعاء، اللهم اغفر لي الذنوب التي تنزل البلاء، اللهم اغفر لي كل ذنب أذنته، وكل خطيئة أخطأتها. اللهم إني أتقرب إليك بذكرك، وأستشفع بك إلى نفسك، وأسألك بجودك أن تدنيني من قربك، وأن توزعني شكرك، وأن تلهمني ذكرك".

وفي هذا المقطع الشريف توجد خطوط عامة رئيسية نذكرها ثم نشرح كل فقرة لوحدها، ونتعلم أدب الدعاء ومخاطبة العبد لربه من أسلوب هذه الفقرات، وقد تضمنت هذه الفقرات المواضيع التالية:

الأول توجيه الدعاء: الداعي بعد القسم على الله بصفاته وأسمائه، ثم يذكر الأهم فالأهم، وهذا أدب مهم في الدعاء، وهو إذا أردت أن تدعو الله عز وجل، فادعوه بأسمائه، قال تعالى: "ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها"، هذا من أدب الدعاء، أول ما تبدأ الحمد لله والثناء عليه وذكر أسمائه، والصلاة على نبيه محمد وآل محمد، فهذا أول شيء في الدعاء.

فتلاحظ هناك تدرج في الدعاء، فأولًا ذكر الله وذكر صفاته وذكر أسماءه بعد ذلك طلب غفران الذنوب، وهذا أدب مهم في الدعاء، موجود في بعض الروايات تقول: "يا من هو أقرب إلي من حبل الوريد، يا فعال لما يريد، يا من يحول بين المرء وقبله، يا من هو بالمنظر الأعلى، صلّ على محمدٍ وآل محمد" أو تقول هكذا: "اللهم إني أدعوك كما أمرتني فاستجب لي كما وعدتني، اللهم إنك قد أمرت بالدعاء ومنك الاستجابة" وهكذا.. "اللهم إني أتوجه إليك بنبيك نبي الرحمة" إلى آخر الأدعية، واستهلال الدعاء.

الثاني آثار الذنوب: الذنوب لها آثار أخروية ولها آثار دنيوية وضعية مادية، مثل تعجيل البلاء في الدنيا، أو تغير النعمة، أو حبس الدعاء، ففي هذا المقطع بين أمير المؤمنين عليه أفضل صلوات المصلين الآثار المترتبة على الذنوب من آثار دنيوية وآثار أخروية.

الثالث التدرج في الدعاء: فبدأ في الطلب بالأقل وانتهى إلى طلب الأكثر، فأول ما بدأ بطلب المغفرة من الذنوب التي تغير النعم، والذنوب التي تهتك العصم، ثم رفع سقف الطلب: "اللهم اغفر لي كل ذنب أذنبته، وكل خطيئة أخطأتها"، وهذا أسلوب خاص في الدعاء، فتطلب من الله العافية والمغفرة، وتدرج في الدعاء والطلب.

الرابع موضوع الشفاعة: فيجعل الداعي نظرًا لذنبه وبعده عن الله واسطة عظيمة مقبولة بينه وبين الله عز وجل لكي يشفع له الله عز وجل، يقول: "اللهم وأستشفع بك إلى نفسك".

هذا تمام الكلام في العرض العام لفقرات طلب المغفرة، أول فقرة: "اللهم اغفر لي الذنوب التي تهتك العصم"، الوقت لا يتسع، نأخذها إن شاء الله في الدرس القادم، وصلى الله على محمد وآل الطيبين الطاهرين

00:00

11

2025
| يناير
جلسات أخرى من هذه الدورة 9 الجلسة

11

يناير | 2025
  • الكتاب: شرح دعاء الكميل
  • الجزء

    01

  • -

    الصفحة
جلسات أخرى من هذه الدورة
9 الجلسة