شرح دعاء الكميل
شیخ الدقاق

07 - اللهم اغفر لي الذنوب التي تهتك العصم

شرح دعاء الكميل

  • الكتاب: شرح دعاء الكميل
  • الجزء

    01

  • الصفحة  

    -

02

2025 | فبراير

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمدالله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين

اللهم كن لوليك الحجة بن الحسن صلواتك عليه وعلى آبائه في هذه الساعة وفي كل ساعة وليًا وحافظًا وقائدًا وناصرًا ودليًلا وعينًا حتى تسكنه أرضك طوعًا وتمتعه فيها طويلًا برحمتك يا أرحم الراحمين.

اللهم اغفر لي الذنوب التي تهتك العصم

شرح قوله عليه السلام: "اللهم اغفر لي الذنوب التي تهتك العصم".

الكلام في شرح دعاء كميل ودعاء كميل مقسم إلى أقسام، وأول ما بدأ أمير المؤمنين عليه أفضل صلوات المصلين قد بدأ بالأقسام، أي أنه أقسم على الله تبارك وتعالى برحمته وبقوته وبعزته وبسلطانه، فقال عليه السلام: "اللهم إني أسألك برحمتك التي وسعت كل شيء، وبعزتك التي لا يقوم لها شيء، وبسلطانك الذي علا كل شيء، وبجبروتك التي غلبت بها كل شيء"، هذه أقسام متتالية ومتتابعة.

هذا هو المقطع الأول من دعاء كميل بن زياد النخعي، وهو دعاء الخضر عليه السلام برواية أمير المؤمنين، وما ذهبنا إليه هو أن معنى هذا الدعاء للخضر، وصياغة الألفاظ لأمير المؤمنين ومولى الموحدين، أمير البيان، أسد الله الغالب، علي بن أبي طالب عليه السلام.

ثم يبدأ المقطع الثاني من دعاء كميل، وهو: "اللهم اغفر لي الذنوب التي تهتك الأستار... اللهم اغفر لي الذنوب التي تنزل النقمة... اللهم اغفر لي الذنوب التي تغير النعم... اللهم اغفر لي الذنوب التي تحبس الدعاء... اللهم اغفر لي الذنوب التي تنزل البلاء... اللهم اغفر لي الذنوب التي تقطع الرزق... اللهم اغفر لي كل ذنب أذنبته، وكل معصية ارتكبتها، وكل خطيئة أخطأتها".

ثم يبدأ المقطع الثالث: "اللهم إني أتقرب إليك بذكرك".

سؤال: ما العلاقة بين المقطع الأول والمقطع الثاني؟ المقطع الأول يتضمن أقسامًا متعددة: "اللهم إني أسألك برحمتك، وبقوتك، وبسلطانك، وبجبروتك، وبعزتك"، والمقطع الثاني يطلب المغفرة، مغفرة الذنوب المتعددة، والتي تهتك الأستار، وتنزل النقمة، وتغير النعم، وتحبس الدعاء، وتنزل البلاء.

الجواب: القسم على الله مقدمة لغفران الذنوب، أي أنني يا الله، أنا عبد مذنب محاط بالذنوب التي تهتك الأستار وتحبس الدعاء وتنزل البلاء، وأقسم عليك برحمتك وبعزتك وبقوتك وبسلطانك وبجبروتك أن تغفر لهذه الذنوب، هكذا يتبين وجه الربط بين المقطع الأول وهو الأقسام المتعددة، وبين المقطع الثاني وهو طلب المغفرة.

الخلاصة: القسم على الله طلبا للمغفرة، ولنبدأ بشرح تفاصيل المقطع الثاني.

أول فقرة من المقطع الثاني: "اللهم اغفر لي الذنوب التي تهتك الأستار".

اللهم أصلها الله فلفظ يا الله صار الله،  "اللهم اغفر لي" يعني يا الله.

"اللهم اغفر لي" غفر الشيء ستره، والذنوب جمع ذنب، وهو الجرم، والإثم. "والعصم" العصمة من العصمة، وهي المنعة، قال تعالى على لسان ابن نوح: "قال سآوي إلى جبل يعصموني" أي يمنعني من موج البحر ومن الغرق، تقول: "اعتصمت بالله" أي إذا امتنعت بلطف الله عن المعصية. تقول عصمت فلان أو عصم الله عبده إذا منعه مما يوبقه.

وجاء في الحديث الشريف: "ما اعتصم عبد من عبادي، من أحد من خلقي إلا قطعت أسباب السماوات من بين يديه، وسخّت الأرض من تحته".

الله عز وجل بابه مفتوح، فاعتصم بالله، لذلك ورد في الدعاء: "بسم الله كلمة المعتصمين".

وهنا يتدرج الداعي في دعاء كميل، ففي بداية دعاء كميل، يتوسل الداعي إلى ربه ويقسم على الله برحمته، قائلاً: "اللهم إني أسألك برحمتك التي وسعت كل شيء"، ثم يقسم عليه بقوته وبعزته وبسلطانه وبصفاته وأسمائه.

فالفقر الأولى لبيان القسم والأقسام، والفقر الثانية لبيان المقسم، أي الغرض من الإتيان بتلك الأقسام، ففقرة: "اللهم اغفر لي الذنوب التي..." إلى آخر هذه الفقرات لبيان الشيء الذي كان التوسل به والقسم من أجله في بداية دعاء كميل.

فالقسم على الله برحمته وبعزته وبسلطانه وبجبروته لكي يغفر لنا ذنوبنا.

من هنا يبدو التناسق واضحاً والارتباط بين فقرات المقطع الأول وفقرات المقطع الثاني.

وهذا المقطع: "اللهم اغفر لي الذنوب التي تهتك العصم" يتضمن طلب العفو من الله عز وجل عن غفران الذنوب التي تهتك العصم، أي التي توجب زوال المناعة، فللعبد عصمة ومناعة من الوقوع في الموبقات والرذائل والآثام.

وبعبارة أخرى: الإنسان له عصمة معنوية وله عصمة مادية، فلكي يحمي جسمه وبدنه من الفيروسات والميكروبات، يعمل على التلقيح باللقاحات والأمصال، فيقول: لقاح كورونا أو لقاح الجدري أو لقاح السل، فالأطفال يطعمون بهذه التطعيمات، وهذه التطعيمات واللقاحات توجّب المناعة الجسمية والبدنية للإنسان.

كذلك هذا الإنسان، المؤلف من بدن وروح، كما له عصمة بدنية، كذلك له عصمة معنوية ونفسية. فالتعبير الدعائي بــ "الذنوب التي تهتك العصم" تعطينا فكرة واضحة عن لطف الله عز وجل في منح الإنسان المناعتين: المناعة المعنوية والمناعة الجسمية، فالبدن الصحيح له المناعة الكافية ضد تلقي الأمراض، ومن يصاب بمرض الإيدز - والعياذ بالله - وهو مرض فقد المناعة، فإنه يموت حتى بالحمى لأنه يفقد المناعة، ويكون جسمه ضعيفاً عرضة للتلف بأي فيروس أو مرض.

إذا للبدن توجد مناعة كافية عن الأمراض، هذه الأمراض التي توجب علة الإنسان، ومتى ما حافظ الإنسان على الإرشادات الصحيحة كانت مناعته قوية وكافية لصد الأمراض، لكن لو خالف وأهمل صحته فهذا يقتضي عدم مقاومة البدن والجسد لصد أي مرض، وسيموت ويتلف بسرعة نتيجة هجوم الفيروزات والميكروبات نظراً لضعف المناعة الجسمية والبدنية.

إذا الله عز وجل خلق الانسان وخلق جسده وأودعه مناعة جسدية كذلك أوجد له مناعة معنوية، وأقوى شيء في المناعة المعنوية جوهرة العقل ففي الرواية: "أول ما خلق الله العقل فاستنطقه، فقال له: أقبل فأقبل، ثم قال له: أدبر فأدبر، ثم قال وعزتي وجلالي: ما خلقت خلقاً أفضل منك بك أثيب وعليك أعاقب".

سؤال: ما المراد بالعاقل؟ القوة المدركة والمفكرة.

سؤال: لماذا سمي العقل عقلاً؟ لمنعه، والحبال الذي تربط به الناقة يقال له "عقال" لأنه مانع من فرار الناقة.

قال الشاعر:

"إذا مت فادفني إلى جنب حيدر ** أبي شبر أكرم به وشبيه فتن

"لا أخاف الموت عند جواره ولا أختشي من منكر ونكير

فحاش على حام الحمى وهو في الحمى

إذا ضل في البيدا عقال بعيري يعني ربط البعير، ليس صعبًا عليه.

فسمي العقل "عقلاً" لمنعه، وهذا العقال الذي يلبسونه على الغترة والشافية سمي "عقال" لأنه يمنع الغترة من الطيران.

سؤال: لماذا سمي العقل عقلاً؟

الجواب: لأنه يمنع من الوقوع في الموبقات والمفاسد، أي أن قوة العقل قوة مدركة، والله عز وجل احتج على الإنسان وجعل له حجتين: حجة باطنة وحجة ظاهرة.

الحجة الباطنة والداخلية هي العقل المعبر عنه بالقلب أو الضمير أو النفس، وحجة ظاهرة وهم الأنبياء والمرسلون والأئمة الطاهرون عليهم أفضل صلوات المصلين.

فالله عز وجل جعل للإنسان حجة ظاهرة (الأنبياء والمرسلون) وحجة باطنة (العقل)، وقال: "إنا هديناه النجدين" أما شاكرا أو أما كفورا، يعني أبان للناس طريق الخير وطريق الشر.

فهنا، لو امتثل الإنسان ما يمليه عليه عقله، والتزم طريق الهداية، نجا، ولو خالف هواه فإنه يضل الطريق ويخسر الدنيا والآخرة.

"اللهم اغفر لي الذنوب التي تهتك العصم" يعني هناك موانع تمنع الإنسان من الوقوع في الذنوب، لكن بعض الذنوب تمنع هذه..، تزيل هذه الموانع، هذه السدود، تهدمها وتحطمها ،يعني الإنسان في حصن من الذنب، هناك ذنوب خاصة تكسر وتحطم هذه الحصون والسدود.

سؤال: ما هي الذنوب التي تهتك العصم؟

الجواب ورد في الرواية عن الإمام الصادق عليه السلام، الذي ذكر بعض مصاديق الذنوب التي تهتك. وفي الرواية، ذكر ستة ذنوب، قال عليه السلام: "شرب الخمر واللعب والقمار، وفعل ما يضحك الناس من المزاح واللهو، وذكر عيوب الناس، ومجالسة أهل الرّيب".

لاحظ أن هذه الفقرات تعد من خمسة إلى سبعة: الأولى شرب الخمر، والسر في ذلك: أنه يزيل العقل، والخمر بمعنى الستر سُمي الخمر خامرًا لستره، ومنه خمار المرأة، أي الستر الذي يغطي شعرها ورقبتها، واضح كيف أن المورد الأول يهتك العصم، الخمر إذا أزال العقل، ذهب كل شيء، ولذلك ورد في الرواية: "جعلت الخبائث في بيت، وجعل مفتاحه شرب الخمر"، وفي رواية أخرى: "جعلت الخبائث في بيت، وجعل مفتاحه الكذب".

الذنـب الثاني: اللعب، والمراد باللعب المحرم، هناك لعب مباح وهناك لعب محرم كاللعب بالرهان وغير ذلك، أو ألعاب محرمة كالشطرنج والنرد، بناءً على تحريم الشطرنج على المشهور.

الذنـب الثالث: القمار، واللعب بالقمار.

والسر في هذه الثلاثة أنها تفيد الله، الخمر يزيل العقل، واللعب والقمار يزيد اللهو.

الرابع: فعل ما يضحك الناس من المزاح. هذا، للأسف، موجود في المجتمع، يقولون: "فلان نكيتي"، وهو شيء يسخر من الناس، "يا أيها الذين آمنوا، لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرًا منهم، ولا نساء من نساء عسى أن يكون خيرًا منهن، ولا تلمزوا أنفسكم، ولا تنابزوا بالألقاب، بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان".

هذا شيء يقول: "أدخل السرور على قلوب الناس"، لا يطاع الله من حيث يعصى، تحت تتفرح الناس، أتمسخر المؤمن؟ الإمام وقف أمام الكعبة، نظر إليها، قال: "والله ما أعظمك وما أبهاك، والله إن المؤمن لأشد حرمة منك"، يعني أنت تستهزئ بشيء أعظم من الكعبة.

الخامس: اللهو، والمراد باللهو المحرم.

السادس: ذكر عيوب الناس، في الرواية: "إذا رأيت المغتاب، فاجهد جهدك أن لا يعرفك؛ فإن أشقى الناس به معارفه، لأنه يقص ويحش في الذين يعرفهم، لا يغتاب الذي لا يعرفه".

السابع: مجالسة أهل الريب. هذا من أهل الريب، يعني هذا مثلاً: "والله يا ذو الله، خمار، زناد، صاحب مشاكل، جاسوس"، أهل الريب أهل الشك، قالوا: "عن المرء لا تسأل، وسل عن قرينه".

هذه ذنوب سبعة توجب هتك العصمة.

سؤال: هل هذه الستة أو السبعة إذا حصلت قطعاً تفقد العصمة أو لا؟

الجواب: كلا، وألف كلا.

بيان ذلك: التفتوا جيدًا العلة إما تامة وإما ناقصة.

مثال ذلك: النار علة للاحتراق، متى يتحقق الاحتراق إذا توفر ثلاثة أمور: أولاً: المقتضي، يعني قابلية النار للاحتراق، الثلج لا يحرق الثلج يجمد، الثلج فيه قابلية التجميد، والنار فيها قابلية الاحتراق، هذا الأمر الأول: المقتضي.

الثاني: الشرط، وهو دنو النار من الورقة، ودنو الجليد من الشيء.

الثالث: عدم المانع، يعني لو يوجد حاجز بين النار والورقة، كما لو كانت الورقة مبتلة، فإن النار لن تحرق الورقة، وهكذا لو كان هناك حاجز بين الجليد والشيء، فإنه لن يتجمد.

فالعلة التامة هي ما توفرت فيها الأركان الثلاثة: أولاً: المقتضي والقابلية، ثانياً: توفر الشرط، ثالثاً: انعدام المانع، هذا يقال له انعدام المانع، يقال له علة.

وهناك علة ناقصة وهي خصوص المقتضي، النار قابلة للاحتراق، والثلج قابل للتجميد. هذه علة ناقصة، يعني مقتضي فيه قابلية، إذا وجد المانع، لا يصبح المقتضي فعليًا، يبقى المقتضي في عالم القوة وعالم القابلية ولا ينتقل إلى عالم الفعلية.

وهنا نقول: هذه الذنوب الخمسة أو السبعة، هل هي بنحو العلة التامة؟ يعني إذا شرب شخص خمر، خلاص، لازم تروح العصمة. إذا شخص فعل كذا، لازم تروح العصمة. إذا شخص ذكر معايب الناس، لازم تروح العصمة. كلا، وألف كلا. هذه مقتضيات ناقصة. وليست علة تامة.

يا أخي يا أخي، لو كانت كلها هذه علة تامة، الناس ما اهتدوا، ولما تاب بشر الحافي، حينما مر الإمام الكاظم عليه السلام على داره، وسمع أصوات الغناء والراقصات إلى الخارج، فخرجت جارية لترمي القمامة، فقال لها الإمام موسى بن جعفر الكاظم عليه السلام: "صاحبك حر أم عبد؟" قالت: بل حر، قال: "نعم، لو كان عبدًا، لَاتَّقى الله وأطاعه".

فرجعت وأبطأت، فقال لها بشر: "لمَ أبطأتِ؟" قالت: "رآني رجل، وقال لي: هكذا لو كان صاحبكي عبدًا لَاتَّقى الله وعطاه". فقال: "هذا سيدي ومولاي موسى بن جعفر". فخرج حافيًا، لكي يدرك الإمام موسى بن جعفر. قال: "سيدي ومولاي، هل لي من توبة؟" فقال له الإمام الكاظم: "إن تاب الله عليك". فلقب ببشر الحافي، كان فيه الغواني.

فهذه الذنوب التي تنزل النقمة، تحبس الدعاء، تهتك العصم، هذه الذنوب هي ناقصة وليست تامة، هذه مقتضيات بالقوة وليست أسباب فعلية قطعية، فاللعب بالقمار مقتضي لزوال مناعة الإنسان من الموبقات والمحرمات، ومجالسة أهل الريب مقتضي لزوال هذه المناعة، والمزاح واللهو، مقتضي لزوال هذه المناعة. لكن إذا شملك لطف الله، صار لطف الله مانعاً من فعلية هذه المقتضيات.

وهناك أمور كثيرة تمنع التأثير، مثل الصدقة؛ الصدقة تدفع البلاء، مثل ذبح الذبيحة والفداء وإطعام الفقراء، هذا يمنع الكثير من الموبقات، فعليكم بدوام الصدقة، وعليكم بدوام الاستغفار، وعليكم بدوام الفداء.

هذا هو تمام الكلام في شرح الكلمة الأولى من المقطع الأول: "اللهم اغفر لي الذنوب التي تهتك العصم".

الفقرة الثانية: "اللهم اغفر لي الذنوب التي تنزل النقم"، يأتي عليها الكلام، وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين

00:00

02

2025
| فبراير
جلسات أخرى من هذه الدورة 9 الجلسة

02

فبراير | 2025
  • الكتاب: شرح دعاء الكميل
  • الجزء

    01

  • -

    الصفحة
جلسات أخرى من هذه الدورة
9 الجلسة