خارج الفقه (الجهاد)
شیخ الدقاق

65 - أقسام الجهاد وأحكامه

خارج الفقه (الجهاد)

  • الكتاب: كتاب الجهاد
  • الجزء

    01

  • الصفحة  

    -

04

2025 | فبراير

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمدالله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين

اللهم كن لوليك الحجة بن الحسن صلواتك عليه وعلى آبائه في هذه الساعة وفي كل ساعة وليًا وحافظًا وقائدًا وناصرًا ودليًلا وعينًا حتى تسكنه أرضك طوعًا وتمتعه فيها طويلًا برحمتك يا أرحم الراحمين.

أقسام الجهاد وأحكامه

أقسام الجهاد وأحكامه، المشهور وجود ثلاثة أقسام للجهاد:

القسم الأول: جهاد المشركين.

القسم الثاني: جهاد أهل الكتاب.

القسم الثالث: جهاد أهل البغي.

ولكن في كتاب الجهاد تُطرح بعض المسائل كجهاد المحاربين لله ورسوله وجهاد الطغاة والظلمة. ومن هنا، ذكر المرحوم الشيخ محمد مهدي الآصفي رحمه الله في تقرير بحثه الذي قرره الشيخ أبو ميثم عبد الإله نعم الشبيب صفحة 25، فقد ذكر قسمين آخرين، فتكون الأقسام خمسة: الأول: جهاد المشركين، الثاني: جهاد أهل الكتاب، الثالث: جهاد المحاربين لله ورسوله، الرابع: جهاد أهل الباطل، الخامس: جهاد الطغاة. ونحن إن شاء الله نتناول هذه الأقسام الخمسة تباعًا، بلحاظ ما طرحه الشيخ الآصفي رحمه الله من أمور حديثة، وبلحاظ ما تناوله الشيخ جعفر كاشف الغطاء والشيخ محمد حسن النجفي في جواهر الكلام من تحقيقات عميقة في شرح كتاب "الجهاد".

القسم الأول: جهاد المشركين. ونبحث فيه ثلاثة أمور: الأول: وجوب الجهاد. الثاني: الوجوب الابتدائي للجهاد. الثالث: استئذان الإمام المعصوم عليه السلام في وجوب الجهاد الابتدائي. وأكثر هذه الأمور قد تم الحديث عنها فيما سبق، لكننا نتطرق إليها بما يزيد على ما تقدم أو لبيان بعض النقاط.

الأمر الأول: وجوب الجهاد، ويمكن الاستدلال على وجوب الجهاد بالأدلة: الكتاب والسنة والإجماع والعقل.

الدليل الأول: الكتاب، وقد تطرقنا إلى الآيات الكريمة الدالة على وجوب الجهاد حينما تطرقنا إلى مراحل الجهاد في القرآن الكريم، وذكرنا ست مراحل، وأقوى هذه الآيات دلالة على وجوب الجهاد ما عبّر عنه بتعبير "كتب" كقوله تعالى: "كتب عليكم القتال وهو كره لكم". فهذه الآيات، وهي آيات المرحلة الثالثة مرحلة الفرض والتشريع، تدل على وجوب الجهاد بقوة، بالإضافة إلى الآيات الكريمة الأخرى كآيات التحريض وآيات حث النبي المؤمنين على الجهاد، فإنها تدل على الوجوب.

وقد ذكر المرحوم كاشف الغطاء رحمه الله في "كاشف الغطاء" الجزء الرابع بعد صفحة مئتين وخمسة وتسعين جميع الآيات الدالة على وجوب الجهاد.

الدليل الثاني: السنة الشريفة، والروايات متواترة في الدلالة على وجوب الجهاد، ومن هنا لا نحتاج إلى النظر في أسانيدها إذ أن دلالة الروايات على الجهاد قطعية نظرًا لتواترها، ولعل أقوى هذه الروايات دلالةً ما عُبّر بلفظ "الفرض" أو بلفظ "الكتابة" أو بلفظ "اللزوم"، ولنذكر بعض الروايات وإن كانت ضعيفة، لكن هذا لا يضر بها نظرًا لتواتر الروايات.

وقد عبّرت هذه الروايات بلفظ "الفرض" و"اللزوم" و"الكتابة".

الرواية الأولى: روت عن السيدة زينب بنت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب في خطبة أمها فاطمة، وقد جاء فيها: "فرض الله الإيمان تطهيرًا من الشرك، والجهاد عزًا للإسلام" (وسائل الشيعة، الجزء الأول، الباب الأول من أبواب مقدمة العبادات، الحديث 22)، فقد عبّرت الصديقة الطاهرة السيدة فاطمة الزهراء عليها السلام عن وجوب الجهاد بفرض الجهاد لأنه عز للإسلام.

الرواية الثانية: ما رواه علي بن إبراهيم عن أبيه عن ابن محبوب، رفعه، قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: "إن الله فرض الجهاد وعظمه وجعله نصره وناصره، والله ما صلح الدنيا ودين إلا به" (وسائل الشيعة، الجزء الأول، الباب الأول من أبواب جهاد العدو، الحديث 15).

الرواية الثالثة: ما في كتاب الجعفريات: "أخبرنا عبد الله بن محمد، أخبرنا محمد حدثني موسى، قال: حدثنا عن أبيه عن جده جعفر بن محمد عن أبيه عن جده علي بن الحسين عن أبيه عن علي عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: "كتب الله الجهاد على رجال أمتي، والغيرة على نساء أمتي، فمن صبر منهن واحتسب أعطاه الله أجر شهيد" (مستدرك الوسائل، المحدث النوري، الجزء 11، صفحة 25، الحديث 12337).

الرواية الرابعة: ما جاء فيها تعبير "اللزوم"، فعن تفسير أمير المؤمنين عليه السلام، وقد جاء في الرواية: سئل أمير المؤمنين عليه السلام عن النفقة في الجهاد: إذا لزم أو استحب، فقال: أما إذا لزم الجهاد بأن لا يكون بإزاء الكافرين عن سائر المسلمين، أي لم يوجد من ينوب، فالنفقة هناك: الدرهم بسبعمائة ألف درهم، فأما المستحب الذي قصده الرجل وقد ناب عنه من سبقه واستغنى عنه، فالدرهم بسبعمائة حسنة، وكل حسنة خير من الدنيا وما فيها مئة ألف مرة (مستدرك الوسائل، الجزء 11، صفحة 25، صفحة 20، الحديث 46، الرقم 12320).

هذا تمام الكلام في الدليل الثاني.

وقد تطرقنا إلى روايات كثيرة تدل على وجوب الجهاد فيما سبق.

الدليل الثالث: الإجماع، وقد تطرقنا فيما سبق إلى كلمات الفقهاء المتقدمين في وجوب الجهاد. ولنتطرق إلى مقتطفات من كلمات المتقدمين والمتأخرين والمعاصرين في وجوب الجهاد.

قال السيد ابن زهرة في الغنية: "الجهاد فرض من فرائض الإسلام بلا خلاف" (يُراجع سلسلة الينابيع الفقهية، الجزء التاسع، صفحة 159)، بل ذهب الشيخ جعفر كاشف الغطاء رحمه الله إلى أن الجهاد أفضل الفرائض حتى من الصلوات اليومية، فقال في "كشف الغطاء"، صفحة 293: "في بيان فضيلة الجهاد" ما نصه: "الجهاد أفضل الأعمال بعد العقائد الإسلامية والإيمانية حتى من الصلوات اليومية، وإن كان لها في نفسها مزيد فضل عليه، لكنه أفضل بحسب الجهات الخارجي لأن الطاعة لله والعبودية له فرع محبته والعمل بجميع التكاليف مرجعه إلى حب الله لأن المحب الحقيقي يتلذذ بخدمة المحبوب، وكلما فعل المحبوب محبوب، فمتى أطاع في أشق الأشياء عليه على زيادة إخلاصه بالنسبة إليه.

فأول مراتب الحب بذل المال في مرضات المحبوب، ثم تعب البدن وترك اللذة، ثم بذل نفس الولد الذي هو بمنزلة النفس، ولذلك جاء المدح من العزيز الكريم في حق النبي إبراهيم في عزمه على ذبح ولده إسماعيل، ولم يبلغ والله مرتبة خاتم الأنبياء ولا البضع البتول الزهراء ولا الأئمة الأمناء في رضاهم بقتل سيد الشهداء بسيوف الأعداء وبقائه مطروحًا على الثرى ورأسه معلق على القناع وقتل أولاده وأرحامه وأصحابه" إلى آخر كلامه.

ولنذكر ما ذكره صاحب الجواهر رحمه الله من الناحية على الإجماع، قال صاحب الجواهر في "جواهر الكلام" مجلد 22 صفحة 15 من نسخة جماعة المدرسين: "وكيف كان، فلا خلاف بين المسلمين في وجوبه في الجملة، بل هو كالضروري، خصوصًا بعد الأمر به في الكتاب العزيز في آيات كثيرة كقوله تعالى: "يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين"، وقوله تعالى: "حرض المؤمنين على القتال" إلى غير ذلك. يمكن مراجعة "جواهر الكلام"، النسخة القديمة، جزء 21، صفحة 8.

وقال صاحب الجواهر رحمه الله في موضع آخر: "جواهر الكلام، صفحة 16، جزء 22 من نسخة جماعة المدرسين": "نعم، فرضه على الكفاية بلا خلاف أجده فيه بيننا، بل ولا بين غيرنا، بل كاد يكون من الضروري فضلًا عن كونه مجمعًا عليه".

وخلاصة الدليل الثالث: اتضح أن الجهاد واجب بالإجماع بل الضرورة، أي دعوة التسالم، أي أن وجوب الجهاد من المسلمات بين جميع المسلمين، بل يمكن دعوة الإجماع والضرورة على كونه من الواجبات الكفائية، للواجبات العينية، نسب إلى بعضهم أنه واجب عيني.

الدليل الرابع: العقل، ذكروا أن العقل يستقل بوجوب الجهاد لأن به حفظ الدين والفطرة، اللتين هما من أهم الحقوق الإنسانية.

هذا تمام الكلام في الأمر الأول، واتضح وجوب الجهاد بالأدلة الأربعة بلا شك ولا ريب.

الأمر الثاني: الوجوب الابتدائي للجهاد، والبحث في هذه المسألة يدور حول أمرين:

الأول: الأدلة على الوجوب الابتدائي.

الثاني: من يجب جهاده.

ومن الواضح أن القدر المتيقن من وجوب الجهاد إنما هو قتال خصوص المشركين من قبل المؤمنين، فمن مجموع الأدلة من الكتاب الكريم والسنة المطهرة يتضح أن الأصلية من الجهاد، بتعبير صاحب الجواهر، إنما هو جهاد المشركين غير الكتابيين.

ومن هنا، يقع الكلام: هل المراد جهاد المشركين ابتداءاً من دون سبق عدوان منهم، أو المراد خصوص دفاع المسلمين عن أنفسهم في حالة عدوان المشركين؟ أو المراد الأعم فيراد مطلق الجهاد الابتدائي والدفاعي ضد المشركين؟

والصحيح ثبوت الجهاد الابتدائي والدفاعي ضد المشركين، أما الدفاعي فواضح، وقد تقدمت أدلته، وأما الوجوب الابتدائي فهو المشهور إن لم يكن مجمعًا عليه، فقد أرسله الفقهاء إرسال المسلمات، ولم يناقش فيه إلا من قبل بعض المعاصرين. وقد تطرقنا إلى الأدلة وناقشناها، واتضح ثبوت الجهاد الابتدائي ووجوبه، ولكن لا بأس بالنظر إلى ما أفاده الشيخ الآصفي رحمه الله في كتاب الجهاد صفحة ثلاثين والنظر فيه، فقد ذكر خمسة أدلة.

الدليل الأول: سيرة الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله: فجملة من المعارك والغزوات كان القتال فيها ابتدائيًا، أي أن الرسول وجيشه لم يكونا في حالة دفاع عسكري، ومن هذه المعارك والغزوات، معركة بدر الكبرى حيث هجم فيها المسلمون على قوى الشرك والكفر التي أخرجها البطر والكبرياء والاستخفاف بقوة المسلمين الذين تعرضوا لغنم قافلتهم التجارية العائدة من الشام باتجاه قريش، بعد أن أفلتت منهم.

ومنها معركة خيبر، وإن كان السبب الذي أدى إليها هو خيانة اليهود ونقض عهدهم الذي أبرموه مع المسلمين بعدم الانضمام إلى المشركين ومناصرتهم في حربهم مع المسلمين، حيث نقضوه في حرب الأحزاب وانضموا إلى صفوف المشركين ضد المسلمين، فما أن انتهى الرسول صلى الله عليه وآله من حرب الأحزاب، تحول مباشرة إلى حرب اليهود في معركة خيبر جزاءً لما فعلوه من خيانتهم ونقضهم العهد.

فالمسلمون إذًا في هذه المعركة لم يكونوا في حالة دفاع، بل كانوا المبتدئين بالهجوم على حصون اليهود وقلاعهم. وهكذا القول في معركة مؤتة، سوى أن الداعي فيها هو قتل الدُعاة الذين بعثهم رسول الله صلى الله عليه وآله لتبليغ أمر الإسلام ودعوته من قبل الكفار على حدود الشام، وقتل سفير الرسول صلى الله عليه وآله من قبل شرحبيل هناك، وقد بعثه صلى الله عليه وآله إلى ملك الشام برسالة يدعوه فيها إلى التوحيد.

وهكذا أيضًا نفس الكلام يقال عن تأمير رسول الله صلى الله عليه وآله لأسامة بن زيد في آخر غزوة على جيش المسلمين لقتال جيش الكفر على حدود الشام، وإن كان السبب فيها قد يكون هو تصميم الكفار على الهجوم على جيش المسلمين وإبادته في معركة تبوك، والذي ما لبث أن تحول إلى هزيمة ووهن بعدما تبين لهم أن المسلمين على قوة عالية من المعنوية وعلى درجة غريبة من الضبط القتالي ومعرفة بفنون القتال.

إذن، فسيرة رسول الله صلى الله عليه وآله من خلال هذه الوقائع التاريخية خير شاهد على أن الجهاد يجب ابتدائيًا مثلما يجب دفاعًا، كما تحكيه غزوات ومعارك أخرى له صلى الله عليه وآله.

انتهى كلامه [زيد في عدو مقامه].

أقول: لم يثبت أن غزوة من غزوات النبي كانت جهادًا، بل جميعها كانت غزوات دفاعية. ومصطلح الغزوة يراد به المعركة التي حضرها النبي، بخلاف السرية التي لم يحضرها النبي. وليس المراد بمصطلح الغزوة الهجوم الابتدائي.

تحقيق المسألة: إن قلنا إن الضربة الاستباقية تعد جهادًا ابتدائيًا، فحينئذٍ يصدق على بعض غزوات النبي أنها جهاد ابتدائي. وأما إذا قلنا إن الضربة الاستباقية ليست جهادًا ابتدائيًا، بل هي جهاد دفاعي، كما هو التحقيق، يعني: عرفنا أن الأعداء يعدون العدة، فباغتناهم وتغذينا بهم قبل أن يتعشوا بنا، فهذا جهاد دفاعي.

وفي نفس كلام الشيخ الآصفي رحمه الله، مثلاً: في معركة بدر، المسلمون خرجوا لسلب القافلة لا للقتال، لكن لما تجهز لهم جيش المشركين قاتلوهم، فهذا جهاد دفاعي. وهكذا في معركة خيبر، نتيجة نقض اليهود عهدهم، ولم يكن جهادًا ابتدائيًا.

المراد بالجهاد الابتدائي أن تهاجم المشركين لدعوتهم إلى الإسلام من دون نقض عهد ومن دون عدوان مسبق، فجميع هذه المعارك التي ذكرها: من بدر، وخيبر، ومؤتة، وتجهيز جيش أسامة، كان جيش الكفار يتجهز، و جيش الروم يتجهز للهجوم على المسلمين.

فجميع هذه المصادق هي من مصادق الجهاد الدفاعي، فالدليل الأول: وهو التمسك بسيرة الرسول، ليس بتام على أنه دليل، فهو لبي لا لسان له، فلا يمكن التمسك بإطلاقه، فإذا شككنا في أنها بعض المعارك ابتدائية أو دفاعية، لم يثبت أنها ابتدائية، وإذا أردنا أن نتمسك بالإطلاق، فهنا لا يوجد إطلاق، إذ هذا الدليل لب لا لسان له، فنقتصر على القدر المتيقن، وهو خصوص الجهاد الدفاعي، والله العالم.

الدليل الثاني: عموم التعليل، يأتي عليه الكلام، وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين

00:00

04

2025
| فبراير
جلسات أخرى من هذه الدورة 71 الجلسة

04

فبراير | 2025
  • الكتاب: كتاب الجهاد
  • الجزء

    01

  • -

    الصفحة
جلسات أخرى من هذه الدورة
71 الجلسة