خارج الفقه (الجهاد)
شیخ الدقاق

66 - الدليل الثاني التمسك بعموم التعليل

خارج الفقه (الجهاد)

  • الكتاب: كتاب الجهاد
  • الجزء

    01

  • الصفحة  

    -

22

2025 | فبراير

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمدالله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين

اللهم كن لوليك الحجة بن الحسن صلواتك عليه وعلى آبائه في هذه الساعة وفي كل ساعة وليًا وحافظًا وقائدًا وناصرًا ودليًلا وعينًا حتى تسكنه أرضك طوعًا وتمتعه فيها طويلًا برحمتك يا أرحم الراحمين.

الدليل الثاني التمسك بعموم التعليل

الدليل الثاني على وجوب الجهاد الابتدائي التمسك بعموم التعليل، فلو راجعنا الآيات الكريمة في القرآن الكريم لوجدنا أنها تعلل القتال بعلتين:

العلة الأولى رفع الفتنة.

العلة الثانية كف بأس الذين كفروا.

أما العلة الأولى وهي رفع الفتنة عن طريق الدعوة إلى توحيد الله تبارك وتعالى، فيدل على ذلك قوله تعالى: "وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين" (سورة البقرة، آية 193)، وقوله تعالى: "وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله فإن انتهوا فإن الله بما يعملون بصير" (سورة الأنفال، آية 39).

وأما العلة الثانية وهي كف بأس الذين كفروا أي قوتهم فقد ورد في قوله تعالى: "فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك وحرّض المؤمنين عسى الله أن يكف بأس الذين كفروا والله أشد بأسًا وأشد تنكيلاً" (سورة النساء، آية 84).

ومن الواضح أن الفتنة لها مصاديق عديدة ومتنوعة ولن تنتهي هذه الفتنة إلا باستئصال الكفار المهاجمين وغير المهاجمين، فلو اقتصر القتال على خصوص الجهاد الدفاعي لما انتهت الفتنة، كما أن الدين لن يكون لله، فبالاقتصار على الجهاد الدفاعي لن يكون الدين كله لله.

إذن يمكن التمسك بعموم التعليل ويمكن التمثيل له بقولنا في المرض: تناول الدواء حتى تشفى، أي واصل تناول الدواء إلى أن يتحقق الشفاء. فهنا واصل الجهاد والقتال حتى يكون الدين كله لله وتنتهي الفتنة ويكف بأس الذين كفروا.

هذا تمام الكلام في الدليل الثاني.

الدليل الثالث هو التمسك بإطلاق آيات القرآن الكريم.

ويمكن التمسك بعدة آيات:

الأولى: قوله تعالى "يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم" (سورة التوبة، آية 73).

تقريب الاستدلال: قوله تعالى "جاهد" فعل أمر، وفعل الأمر يدل على الوجوب، وقد تعلق فعل الأمر بمتعلق وهو الجهاد، وهذا المتعلق تعلق بمتعلق وهو الكفار، ومتعلق المتعلق هو الموضوع، موضوع الجهاد.

إذن عندنا فعل أمر وهو "افعل"، وعندنا متعلق فعل الأمر وهو الجهاد، وعندنا الموضوع وهو متعلق المتعلق وهو الكفار، ومن الواضح أن إطلاق المتعلق بدلي وإطلاق الموضوع شمولي، فقوله "صلِّ" أي ائتِ بصلاة على نحو البدل، "جاهد" ائتِ بجهاد على نحو البدل، فالصيغة بالنسبة إلى متعلقها نلحظ أن هذا المتعلق فيه إطلاق بدلي وليس فيه إطلاق شمولي، بخلاف متعلق المتعلق وهو الكفار الذي هو موضوع الجهاد في الآية الكريمة فإنه شمولي يشمل جميع أفراد الكفار.

فهنا يقال إن متعلق المتعلق وهو الكفار مطلقون، وهذا الإطلاق يفيد الشمول والعموم لجميع أفراد الكفار. إذن متعلق المتعلق مذكور في الآية وهو الكفار، وهذا المذكور تَعَيَّنَ بالذكر في الآية ولم يُعيِّنه إطلاق الصيغة حتى يُقال ويُشكّل بأن التعيين ليس من وظيفة الإطلاق بل وظيفة الإطلاق نفي القيود الإضافية، فلا مانع إذن من إجرائه فيه وهو ليس متعلق الوجوب الذي يكون الإطلاق فيه بدليًّا وليس شموليًّا بل هو متعلق المتعلق الذي لا إجمال فيه، فيثبت وجوب قتال جميع الكفار سواء كانوا مقاتلين فعلاً أم لم يكونوا مقاتلين.

وفيه إن التمسك بالإطلاق فرغ وجود مقدمات الحكمة، ومن مقدمات الحكمة أن يكون المتكلم في مقام البيان من الجهة التي يتمسك فيها بالإطلاق وموطن بحثنا هو التمسك بالإطلاق لإثبات شمول وجوب الجهاد للجهاد الابتدائي والدفاعي معًا، فلا تحمل الآية على خصوص الجهاد الابتدائي أو خصوص الجهاد الدفاعي بل تحمل على مطلق الجهاد الشامل للابتدائي والدفاعي معًا.

ولو تأمّلْنا في الآية الكريمة لوجدنا أنها في مقام بيان أصل تشريع الجهاد، وأصل تشريع الجهاد شيء وتفصيل هذا الجهاد من كونه ابتدائيًّا أو دفاعيًّا شيء آخر، فالآية الكريمة تقول: "يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم"، فهي في مقام تشريع أصل الجهاد، جهاد الكفار والمنافقين، أما أن هذا الجهاد هو ابتدائي أو دفاعي فمن غير المعلوم أن الآية ناظرة إلى هذه الحيثية، فلا يمكن التمسك بالإطلاق.

الآية الثانية: قوله تعالى "يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار" (سورة التوبة، الآية 123).

تقريب الاستدلال:

الآية تخاطب الذين آمنوا وتلزمهم بقتال الذين يلونهم من الكفار، أي أنهم حينما يبدأون بتطهير الأرض يبدأون بالأقرب فالأقرب، فالحكم هو الوجوب وقد استُفيد من قوله تعالى: "قاتلوا"، فهنا فعل أمر "قاتلوا"، ومتعلقه القتال، ومتعلق المتعلق "الذين يلونكم من الكفار" أي الأقرب لكم من الكفار، فهنا يوجد حكم وهو الوجوب، ويوجد متعلق الحكم وهو القتال، ويوجد متعلق المتعلق الذي هو الموضوع وهو من قرب من الكفار.

والإطلاق الشمولي يجري في متعلق المتعلق بدون إشكال فيثبت الجهاد الابتدائي، فنتمسك بإطلاق الآية الكريمة لإثبات الجهاد الابتدائي.

هكذا استدل المرحوم الشيخ محمد مهدي الآصفي رحمه الله في كتابه الجهاد صفحة أربعة وثلاثين.

وفيه الكلام هو الكلام والجواب هو الجواب، إذ إن التمسك بالإطلاق يحتاج إلى إحراز وجود قرينة الحكمة وأن المتكلم في مقام البيان من جهة حيثية الابتداء والدفاع، والحال أن الآية في مقام تشريع قتال الذين يلون المسلمين من الكفار وليست ناظرة إلى حيثية الابتداء أو الدفاع حتى يتمسك بالإطلاق فلا يتم الاستدلال.

الآية الثاثة: التمسك بقوله تعالى "فقاتلوا أولياء الشيطان إن كيد الشيطان كان ضعيفًا" (سورة النساء، الآية 76).

الآية الرابعة: قوله تعالى "فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا إيمان لهم لعلهم ينتهون" (سورة التوبة، الآية 12).

تقريب الاستدلال في الآية الثالثة والرابعة كتقريب الاستدلال في الآية الأولى وهو التمسك بالإطلاق الشمولي في المتعلق، ففي الآية الثالثة "فقاتلوا أولياء الشيطان" هناك أمر "قاتلوا"، وهناك متعلق وهو القتال، وهناك متعلق المتعلق وهو أولياء الشيطان، والإطلاق في متعلّق المتعلّق شمولي، وهكذا في الآية الرابعة "فقاتلوا أئمة الكفر" هناك فعل "قاتلوا" وهناك متعلق هذا الفعل وهو القتال والإطلاق فيه بدلي، وهناك متعلق المتعلق وهو الموضوع "أئمة الكفر" والإطلاق فيه شمولي، فنتمسك بالإطلاق الشمولي لإثبات وجوب الجهاد الابتدائي.

والمناقشة واحدة في الاستدلال بالآيات الأربعة إذ إن التمسك بالإطلاق لإثبات شمول وجوب الجهاد للجهاد الابتدائي فرع إحراز وجود مقدمات الحكمة، والحال إن القدر المتيقن من هذه الآيات أنها في مقام بيان أصل تشريع وجوب الجهاد والقتال.

وأما تفصيل هذا القتال والجهاد وكونه ابتدائيًا أو دفاعيًا فلا توجد قرينة في الآيات الأربع تدل عليه. وحينئذٍ لا نحرز وجود مقدمات الحكمة فلا يمكن التمسك بإطلاق هذه الآيات الكريمة.

الآية الخامسة التمسك بقوله تعالى: "وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم" (سورة البقرة، آية 190)، فهنا يوجد فعل وهو "قاتلوا"، يدل على فعل الأمر ويدل على الوجوب، وله متعلق وهو القتال، وله متعلق المتعلق وهو الذين يقاتلون، فمتعلق هذه الآية متعلق المتعلق أي الموضوع هو الذين يقاتلون.

وقد يقال إن هذه الآية ظاهرة في خصوص الجهاد الدفاعي، إذ أنها نصت على قتال الذين يقاتلونكم، لكن الشيخ الآصفي رحمه الله في كتاب الجهاد صفحة ثلاثة وثلاثين استظهر من هذه الآية الكريمة أن المقصود من قوله "الذين يقاتلونكم" ليس هو الذين يقاتلونكم قتالًا دفاعيًا فقط، بل إن معنى الآية أوسع من ذلك، فهذه الفقرة من الآية من قبيل قول القائل "قاتلوا أعداءكم"، فالمعنى المستفاد منه يختلف عنه فيما لو قلنا "فإن قاتلوكم فاقتلوهم".

إذ على الأول يكون القتال شموليًا لأن شأن الأعداء هو المقاتلة إما بالقوة أو بالفعل، مثل ما جاء ذلك في قوله تعالى: "ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا" (سورة البقرة، آية 217).

وخلاصة استدلال المرحوم الشيخ الآصفي هو حمل قوله تعالى "وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم" أي الذين من شأنهم أن يقاتلونكم، فتحمل الآية على القابلية والشأنية.

وفيه إن الأصل عدم التقدير، وهذا التقدير يحتاج إلى قرينة وظاهر الآية الفعلية إذ قالت: "وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم" أي الذين يقاتلونكم بالفعل، فإن قاتلوكم فاقتلوهم، وحملها على الأعم من القتال الشأني والقتال الفعلي خلاف الظاهر لكن الشيخ الآصفي رحمه الله ذهب إلى الفرق بين الآيات. ففي قوله تعالى: "ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم" حمله على الظهور في الفعلية. وبالتالي يكون هذا القتال قتالًا دفاعيًا وليس قتالًا ابتدائيًا.

لكنه حمل قوله تعالى: "وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم" على القتال الشأني، فإذا حمل على القتال الشأني فإنه لن يختص بالجهاد الدفاعي بل يشمل أيضًا الجهاد الابتدائي، وإلى ذلك يشير قوله تعالى: "ولا يزالون يقاتلوكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا" (سورة البقرة، آية 217)، أي من شأن هؤلاء الكفار أن يردوكم عن دينكم إن تمكنوا واستطاعوا، فيشرع قتالهم.

هذا تمام الكلام في هذه الآية الخامسة التي استدل بها الشيخ الآصفي رحمه الله وجعلها أولى.

وفيه أن من يرجع إلى هذه الآية الكريمة من سورة البقرة، آية مئة وتسعين وما بعدها، ويلحظ السياق، يقطع بوضوح أن هذه الآية واردة في الجهاد الدفاعي وليست واردة في مطلق القتال الشأني.

فلنقرأ تسلسل هذه الآيات لنرى كيف أنها ظاهرة في المقاتلة الفعلية والتي يستفاد منها الجهاد الدفاعي بالخصوص.

قال تعالى في سورة البقرة، آية 190 وما بعدها: "وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأخرجوهم من حيث أخرجوكم".

فقوله: "أخرجوهم من حيث أخرجوكم" ظاهر في الإخراج الفعلي لا الإخراج الشأني، "والفتنة أشد من القتل ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه"، فهذه الآية التي حملها الشيخ الآصفي على القتال الفعلي إنما هي الآية التي جاءت بعدها الآية الأولى التي حملها على القتال الشأني، فبقرينة وحدة السياق والمضمون والموضوع يحمل الجميع على القتال الفعلي.

لاحظوا الآية "فإن قاتلوكم فاقتلوهم كذلك جزاء الكافرين فإن انتهوا فإن الله غفور رحيم وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين"، الآيات كلها في سياق القتال.

إذن هذا الدليل الثالث، وهو التمسك بإطلاق آيات القرآن الكريم، لم يثبت لدينا. ومن هنا ناقش في هذه الآيات وغيرها سيدنا الأستاذ المرجع الديني الكبير السيد كاظم الحسيني الحائري في كتابه "الكفاح المسلح في الإسلام" صفحة تسعة وعشرين وذكر ثلاثة إشكالات، ثلاث جهات في الإشكال على التمسك بإطلاق الآيات القرآنية، وانتهى إلى أنه لا شيء منها يمكن التمسك بإطلاقه لإثبات الجهاد الابتدائي.

ومن هذه المناقشة الأخيرة يمكن المناقشة في الدليل الثاني أيضًا، وهو التمسك بعموم التعليل، إذ إن هذه الآيات التي ورد فيها "قاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله" سياقها سياق الجهاد الدفاعي وليس سياقها سياق الجهاد الابتدائي إلا إذا استظهرنا أن هذه علة وليست حكمة، إذ الحكمة لا تفيد التعليل.

لكن إذا استفدنا التعليل وهنا هذا يخضع لاستظهار الفقه، فإن استظهر أنها حكمة فحينئذٍ يقول هذه تُشعر بالعلية، لكنه لن يجزم بها، لكنه إذا جزم بكونها علة فحينئذٍ يمكنه أن يتمسك بعموم التعليل.

ومن يتأمل في هذه الآيات لا يبعد أن هذه الكلمات قد يستظهر منها أنها علة، أي أن علة قتالهم هو أن يكون الدين لله، وإخماد الفتنة وكف بأس الذين كفروا، فيكون الدليل الثاني وهو التمسك بعموم التعليل ناهضًا دون الدليل الأول وهو التمسك بسيرة الرسول صلى الله عليه وآله.

السيد كاظم الحائري أيضًا ناقش أدلة هذه السيرة في كتابه "الكفاح المسلح"، وهذه المعارك التي ذكرها الشيخ الآصفي وهي معركة بدر ومعركة خيبر ومعركة مؤتة وجيش أسامة، هذه المعارك الأربع يذكرها بنفسها السيد كاظم الحائري في كتاب "الكفاح المسلح" وانتهى هناك إلى أن هناك جهادًا دفاعيًا محض وهذا جهاد دفاعي ليس محضًا مشوب بشائبة الابتداء، لكننا لا يمكن أن نجزم أنها ظاهرة في الجهاد الابتدائي، وعبرنا عنها بأنها أشبه بقوة الرادع، هذا المصطلح الذي يُستعمل اليوم.

هذا تمام الكلام في الدليل الأول والثاني والثالث على وجوب الجهاد الابتدائي.

الدليل الرابع التمسك بعموم الآيات يأتي عليه الكلام، وصلى الله على محمد وآله الطيبين ورحمة الله وبركاته

00:00

22

2025
| فبراير
جلسات أخرى من هذه الدورة 71 الجلسة

22

فبراير | 2025
  • الكتاب: كتاب الجهاد
  • الجزء

    01

  • -

    الصفحة
جلسات أخرى من هذه الدورة
71 الجلسة