خارج الفقه (الجهاد)
شیخ الدقاق

68 - الآيات التي تدل على طبيعة العلاقة بين المسلم والكافر

خارج الفقه (الجهاد)

  • الكتاب: كتاب الجهاد
  • الجزء

    01

  • الصفحة  

    -

22

2025 | فبراير

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمدالله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين

اللهم كن لوليك الحجة بن الحسن صلواتك عليه وعلى آبائه في هذه الساعة وفي كل ساعة وليًا وحافظًا وقائدًا وناصرًا ودليًلا وعينًا حتى تسكنه أرضك طوعًا وتمتعه فيها طويلًا برحمتك يا أرحم الراحمين.

الآيات التي تدل على طبيعة العلاقة بين المسلم والكافر

الطائفة الثانية: الآيات التي تدل على طبيعة العلاقة بين المسلم والكافر، فبعض آيات القرآن الكريم تشير إلى الأصل في العلاقة بين المسلم والكافر، وليس لها دلالة تشريعية على القتال، فهي تصلح بمعارضة الآيات الدالة على وجوب الجهاد الابتدائي.

وهذه الآيات من الطائفة الثانية يمكن أن يذكر منها آيتها مهمتها.

الآية الأولى وهي الآية الثامنة من سورة الممتحنة، وهي قوله تعالى: "لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين."

الآية الثانية قوله تعالى: "لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي" سورة البقرة آية 256.

أما آية الكرسي، فهي من الآيات المعروفة.

 

تقريب الإشكال:

إن الآيات الدالة على وجوب الجهاد الابتدائي معارضة بهاتين الآيتين، فقوله تعالى: "قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر" وقوله تعالى: "قاتل المشركين كافة" وكذا قوله تعالى: "واقْتُلُوهُم حيث وجدتموهم" وقوله تعالى: "وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة" معارضة بهاتين الآيتين، فكيف نجمع بينهما؟ وكيف تكون المعالجة؟

ولنتطرق إلى مقامين:

المقام الأول المعالجة بين آيات الجهاد الابتدائي والآية الثامنة من سورة الممتحنة، أي آية البر والقسط.

ويمكن أن تذكر عدة معالجات، نذكرها كما يلي:

المعالجة الأولى: الالتزام بالنفس، فإن آية "اقتُلُوا المشركين حيث وجدتموهم" الآمرة بالجهاد الابتدائي نزلت متأخرة، فقد نزلت بعد فتح مكة، بخلاف الآيات الدالة على البر والقسط، فقد دلت الروايات على أنها نزلت أيام معاهدة الصلح والهدنة التي عقدت بين الرسول صلى الله عليه وآله والمشركين في الحديبية.

ولمعرفة هذه الروايات، يراجع تفسير الميزان للسيد محمد حسين الطباطبائي، الجزء التاسع عشر، صفحة مئتين وأربعة وثلاثين.

وقد التزم بدعوى النسخ ابن عباس وأكثر المفسرين، فقالوا إن آيات البر والقسط متقدمة في الحديبية، وآيات "اقتُلُوا المشركين" هي من سورة التوبة، وقد نزلت بعد فتح مكة، فتكون آية براءة ناسخة لآية القسط.

وفيه: نحن لا نلتزم بوقوع النسخ في القرآن الكريم إلا في آية النجوى، وما عداها أو عدا آية الزانية من دعاوى النسخ فهي كثيرة وليست بصحيحة، وما أكثر دعاوى النسخ، خصوصاً في تفاسير العامة؛ فمن يراجع التفاسير المأثورة للعامة كالدر المنثور في التفسير بالمأثور أو تفسير الطبرسي يجد الكثير من دعاوى النسخ التي لا نلتزم بها، وتفصيل ذلك قد بحثناه في علوم القرآن.

المعالجة الثانية: ما قد يظهر من السيد محمد حسين الطباطبائي في الميزان من عدم التنافي بين الآيتين، فآية البر والقسط لا تشمل بإطلاقها إلا أهل الذمة والمعاهدة، فهي ناظرة إلى خصوص أهل الكتاب أو من عاهد معاهدة والتزم بها مع النبي صلى الله عليه وسلم. فهؤلاء يجب برهم والقسط والعدل معهم، بخلاف آية التوبة فهي ناظرة إلى أهل الحرب من المشركين من دون أهل الكتاب ومن دون أهل المعاهدة.

إذاً، يوجد اختلاف موضوع بينهما، فموضوع سورة التوبة وآيات الجهاد الابتدائي هو الكافر الحربي والمشرك غير الكتاب وغير المعاهد، وموضوع آية البر والقسط هو خصوص الكافر الكتاب أو المعاهد، فنظراً لاختلاف الموضوعين اختلف الحكماء ولا تنافي في البيان، فلا داعي للتخصيص أو دعوى النسخ.

قال صاحب الميزان في تفسير آية القسط ما نصه: "قيل إن الآية منسوخة بقوله {اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} التوبة 5.

وفيه: إن الآية التي نحن فيها لا تشمل بإطلاقها إلا أهل الذمة وأهل المعاهدة، وأما أهل الحرب فلا، وآية التوبة 5 إنما تشمل أهل الحرب من المشركين دون أهل المعاهدة، فكيف تنسخ ما لا يزاحمها في الدلالة؟".

الميزان في تفسير القرآن، الجزء 19، صفحة 234.

أقول: ما أفاده رحمه الله موافق لأسباب النزول، فمن يرجع إلى تفسير مجمع البيان للطبرسي وغيره ممن تطرق إلى أسباب نزول قوله تعالى: "لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين" يجد أنهم قد نصوا على أن الآية قد نزلت في خزاعة وبني مذلج، وكانوا صالحوا رسول الله صلى الله عليه وآله على أن لا يقاتلوه ولا يعينوا عليه أحداً كما عن ابن عباس، وقد نقل ذلك الطبرسي في مجمع البيان.

فما أفاده صاحب الميزان رحمه الله موافق لأسباب النزول، ولكن قد يقع أن المورد لا يخصص الوارد، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. والآية الكريمة مطلقة، وليس فيها قيد أهل الكتاب، وليس فيها قيد المعاهد، بل قالت الآية: "لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم أن الله يحب المقسطين" فالآية فيها إطلاق، وقد ذكرت قيدين: الأول أن لا يقاتلوكم في الدين، والقيد الثاني أن لا يخرجوكم من دياركم.

فلو كان الكافر المشرك لم يقاتلك ابتدائاً ولم يعتدي عليك هذا أولاً، وثانياً لم يخرجك من ديارك، ودعوت إلى الإسلام فرفض ولم يقبل الدعوة، فهنا آية: "وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة" و"اقتلوا المشركين حيث ثقفتموهم" تقول "اقتلهم"، وآية البر والقسط تقول: عليك ببرهم والقسط إليهم، فيقع التعارض، فلا ينفع هذا التخريج في فك التعارض.

المعالجة الثالثة: ... طبعاً هذه المعالجة الثانية، إلا إذا استظهرنا وقلنا إن العبرة بماذا؟ بأسباب النزول، ولا يوجد إطلاق لفظي، وشككنا وقلنا إن الإطلاق فرع كون المطلق في مقام البيان من هذه الجهة، وهذا غير محرز، فحينئذٍ يتم كلام صاحب الميزان.

المعالجة الثالثة للمرحوم الشيخ محمد مهدي الآصفي رحمه الله، كتاب الجهاد، صفحة خمسة وأربعين.

ومفادها: إننا لو تأملنا في الآيتين، لوجدنا تصورين وموضوعين مختلفين، الموضوع الأول: العلاقة مع سائر البشر، والموضوع الثاني: القتال من أجل الدعوة إلى التوحيد وتعبيد الناس إلى الله تعالى.

والأصل في العلاقة مع سائر البشر هو البر والقسط، لقوله تعالى: "لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم"، أما الذي يجرد سيفه ويقاتل ويخرج الناس من ديارهم، فلا يصح بره وقسطه، وهو مما يستثنى من الأصل.

والأصل في دعوة النسخ إلى توحيد الله وتطويعهم للعبودية هو قتالهم فيما لو رفضوا التوحيد وأعاقوا دعوته، ولكن هذا لا يعني أن نجرد سيوفنا في وجه العالم كله، لأن ذلك مما يجافي بروح الدين من ناحية، وليس بممكن من ناحية أخرى.

وقال أيضًا رحمه الله في كتاب الجهاد، صفحة 48، ما نصه: "إن القتال والعلاقة مقولتان وليست مقولة واحدة، فالقتال تابع للدعوة إلى التوحيد وإلى مبادئ الإسلام، والعلاقة تابعة للعلاقات الإنسانية"، ثم يقول في صفحة 49: "ثم إن هذه العلاقة ليست علاقة ولاء، لأن الولاء للكفار محرم على المؤمنين، وإنما هي علاقة بر وقسط، ولا يشترط في عدم الولاء أن لا تكون هناك علاقة بر وقسط.

وبالضرورة، إذا لم تكن علاقة ولاء، وكانت العلاقة علاقة بر وقسط، فلا تكون العلاقة علاقة براءة".

أقول: دعوى وجود أصل في العلاقة مع سائر البشر، وهي البر والقسط، ووجود أصل في دعوة النسخ إلى توحيد الله، وهو قتالهم فيما لو رفضوا، تحتاج إلى دليل محكم.

وآية البر والقسط قد يُشكك في دلالتها على وجود هذا الأصل العام والعريض، فالاستظهار منها أو من غيرها من الآيات على وجود أصل عارض عريض يقول: "الأصل هو البر والقسط مع سائر الناس"، هذا يحتاج إلى جزم واستظهار يورث الاطمئنان، وقد يُشكك في ذلك، فلا تتم هذه المعالجة الثالثة، ومن بالوجدان يقوى عنده هذا الاستظهار تتم عنده هذه المعالجة.

المعالجة الرابعة: إن المقصود بآية القسط "لا ينهاكم الله" هم خصوص أفراد الكفار والجماعات والقبائل والمدن غير المنتظمة في الكيانات السياسية الكافرة.

والمقصود بقوله تعالى "وقاتل المشركين كافة" هو خصوص الكيانات السياسية للكفر المنتظمة ضمن الكيانات السياسية الكافرة، بالعلاقة العضوية. وهذا ما ذهب إليه الشيخ محمد مهدي الآصفي في فهمه الثاني.

يراجع كتاب الجهاد للشيخ الآصفي، صفحة 49 وما بعدها.

والخلاصة: آيات الجهاد الابتدائي ناظرة إلى مواجهة الطغاة والحكام والكيانات الكافرة المحاربة للدين، فهذه تدعى إلى الإسلام، فإن رفضت تُقتل، وليست ناظرة إلى الأفراد.

بخلاف آيات البر والقسط، فهي ناظرة إلى الأفراد، فهنا اختلف الموضوعان، وباختلاف الموضوعين يختلف الحكم، فآية البر والقسط موضوعها الأفراد الكافرة، وآيات "قاتل المشركين كافة" موضوعها الكفار والكيانات الكافرة.

أقول: حمل آيات تشريع الجهاد الابتدائي على خصوص الكيانات الكافرة يحتاج إلى دليل، ولا يظهر من هذا أن لفظ "كافة" يدل على الكيانات الكافرة، فلم يُعلم الوجه في حمل هذه الآيات على خصوص الكيانات الكافرة، فلا يتم هذا الاستدلال، ولا تتم هذه المعالجة.

سيأتي وجههم قريب منه حينما نتطرق إلى آية "لا إكراه في الدين"، وهو التمسك بسيرة النبي صلى الله عليه وسلم، فالنبي قاتل رؤوس الكفر، وقد يستظهر له من قوله تعالى: "فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم."

المعالجة الخامسة والأخيرة، وهي التي نتبناها، وقد ذكرها مقرر بحث الجهاد للشيخ الآصفي، وهو الشيخ أبو ميثم عبدالإله نعم الشبيب في الحاشية، صفحة 47.

التفصيل:

فنقول: إن المشرك، سواء كان نظامًا أو أفرادًا، ليس له علاقة مع المؤمن في ميدان الاعتقاد والدعوة إلى الله عز وجل، إلا أن يدعوه إلى التوحيد. فإن استجاب له، وإلا فالسيف حقه.

أما إذا لم تُطرح عليه الدعوة، ولم تصل إليه النوبة في ذلك، فالعلاقة معه تكون قائمة على البر والقسط، لأنه ليس هناك حق في قتاله قبلها أو قبل العلم بها.

والخلاصة: التفصيل بين الكافر قبل دعوته إلى الإسلام، والكافر بعد دعوته، فالكافر قبل دعوته إلى الإسلام، أو إذا لم يعلم بالإسلام أصلاً، فحكمه هو البر له والقسط والعدل معه، لكي يدخل في الإسلام، وأما إذا دُعي إلى الإسلام ولم يقبل، فحكمه القتل.

وليس الكلام في الجانب الفردي، إذ أن الحكم ناظر إلى الجهاد والقتال، وعادة ما يدعى الحاكم والسلطة. إذن، خصوصية الكيانات السياسية والسلطة لا تستفاد من ظاهر الآيات الكريمة، ولكن بلحاظ واقع الدعوة إلى الإسلام، إنما تكون في الغالب للحكام والطواغيت الظلمة الذين يشكلون عقبة في وجه انتشار الإسلام، فأولئك يدعون، فإن رفضوا، فحكمهم القتل، والله العالم.

إذن، الصحيح هو تمامية المعالجة الخامسة، وهي التفصيل بين ما قبل الدعوة للكافر، فالحكم هو البر والقسط، وما بعد الدعوة للكافر، فإذا رفض، فالحكم هو الجهاد الابتدائي، والله العالم.

هذا تمام الكلام في المقام الأول.

المقام الثاني معالجة آية "لا إكراه في الدين" وتعارضها مع آيات الجهاد الابتدائي يأتي عليه الكلام، وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين

00:00

22

2025
| فبراير
جلسات أخرى من هذه الدورة 71 الجلسة

22

فبراير | 2025
  • الكتاب: كتاب الجهاد
  • الجزء

    01

  • -

    الصفحة
جلسات أخرى من هذه الدورة
71 الجلسة