في رحاب دعاء الإفتتاح
شیخ الدقاق

01 - سند دعاء الافتتاح

في رحاب دعاء الإفتتاح

  • الكتاب: شرح دعاء الإفتتاح
  • الجزء

    01

  • الصفحة  

    500

05

2025 | مارس

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمدالله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين

اللهم كن لوليك الحجة بن الحسن صلواتك عليه وعلى آبائه في هذه الساعة وفي كل ساعة وليًا وحافظًا وقائدًا وناصرًا ودليًلا وعينًا حتى تسكنه أرضك طوعًا وتمتعه فيها طويلًا برحمتك يا أرحم الراحمين.

سند دعاء الافتتاح

نشرع اليوم الأحد الأول من شهر رمضان المبارك من عام ألف وأربعمئة وستة وأربعين هجرية قمرية، الموافق للثاني من مارس من عام ألفين وخمسة وعشرين ميلادية، ونبدأ بشرح دعاء الافتتاح المروي عن السفير الثاني للإمام المهدي أبي جعفر محمد بن عثمان بن سعيد العمري رضوان الله عليه، والذي يُنسب هذا الدعاء في بعض الكتب إلى الإمام محمد بن الحسن المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف، الإمام الثاني عشر للشيعة الإمامية الإثني عشرية الجعفرية.

ويقع الكلام في شرح دعاء الافتتاح في سند الدعاء أولاً، وشرح مضمون الدعاء ودلالاته ثانياً.

بحث اليوم في سند دعاء الافتتاح، ويقع الكلام في سند دعاء الافتتاح في مقامين:

المقام الأول دراسة سلسلة الرواة في سند دعاء الافتتاح.

والمقام الثاني في تشخيص المنسوب إليه هذا الدعاء فهل هو الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف؟ أو أبوه الإمام الحسن العسكري؟ أو هو السفير الثاني محمد بن عثمان بن سعيد العمري؟ أو أن السفير الثاني قد أخذ هذا الدعاء من أبيه السفير الأول أبي عمرو عثمان بن سعيد العمري، أو أن هذا الدعاء لأحد الأئمة عليهم السلام؟، وقد نقله السفير الثاني عن أحد الأئمة عليهم السلام من دون أن يُشير إليه أو ينص عليه.

ولنذكر في بداية المقام الأول وهو سند الحديث، المصادر التي ذكرت دعاء الافتتاح من المتقدمين إلى المتأخرين إلى المعاصرين.

ذكر نص دعاء الافتتاح في كتاب مصباح المتهجد صفحة خمسمائة وسبعة وسبعين لشيخ الطائفة محمد بن الحسن الطوسي المتوفى سنة أربع مئة وستين هجرية.

المصدر الثاني هو كتاب إقبال الأعمال للسيد ابن طاووس، واسمه "إقبال بالأعمال الحسنة فيما يعمل مرة في السنة"، صفحة ثلاثمائة واثنين وعشرين.

المصدر الثالث هو المصباح للكفعمي صفحة سبعمئة وسبعين.

المصدر الرابع هو البلد الأمين للكفعمي أيضاً، صفحة مئتين وواحد وسبعين.

المصدر الخامس زاد المعاد صفحة ستة وثمانين للشيخ محمد باقر المجلسي، صاحب البحار "أعلى الله في الخلد مقامه".

هذه خمسة مصادر، أولها لخاتمة المتقدمين الشيخ الطوسي، والبقية للمتأخرين كالسيد رضي الدين بن طاووس والكفعمي والمجلسي.

المصدر السادس أو المرجع هو كتاب مفاتيح الجنان للشيخ عباس القمي، صفحة ثلاثمائة وواحد وعشرين هجرية.

ولو رجعنا إلى هذه المصادر الخمسة أو الستة، لوجدنا أن بعضها قد نص على متن دعاء الافتتاح من دون الإشارة إلى سنده، بل من الإشارة إلى الشخص المنسوب له هذا الدعاء. فقيل: ومما يُقرأ في شهر رمضان أو في كل ليلة من شهر رمضان دعاء الافتتاح، وهو أن تقول: "اللهم إني أفتتح الثناء بحمدك"، فلم يُذكر في مفاتيح الجنان سند الدعاء، ولم يُذكر الشخص المنسوب إليه الدعاء، بل لم يُذكر في بعضها السفير الثاني رضوان الله عليه.

ولنقرأ سند الدعاء فيما ذكره المرحوم السيد رضي الدين علي بن موسى بن جعفر بن طاووس رضوان الله عليه، فإنه قد ذكر سند الدعاء بأكمله وذكر ما يُنسب إليه الدعاء، لكنه لم ينص على الشخص الذي قال وتلفظ بهذا الدعاء.

وبما أن هذه المصادر أشارت إلى السفير الثاني في بعضها، فقد نسب البعض دعاء الافتتاح إلى الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف، إذ أن السفير الثاني لا يأتي بالدعاء من عنده، فذهبوا إلى أن قائل الدعاء هو الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف، وسيأتي مزيد بيان وتحقيق الأمر في المقام الثاني إن شاء الله تعالى.

ولنشْرع في بيان المقام الأول، وهو دراسة الرجال الواردين في سلسلة السند، ولنقرأ نص السند من كتاب الإقبال للسيد ابن طاووس، الجزء الأول، صفحة مائة وثمانية وثلاثين، تحقيق الشيخ جواد القيومي الأصفهاني، طبعة بستان كتاب، مركز انتشارات دفتر تبليغات إسلامي في قم المقدسة.

فقد جاء في نسخة الإقبال للأعلمي فصل في ما نذكره من دعاء الافتتاح، وأما في نسخة القيومي فقد رُقم هذا الفصل برقم خمسة عشر، فقال: "فصل خمسة عشر فيما نذكره من دعاء الافتتاح وغيره من الدعوات التي تتكرر كل ليلة إلى آخر شهر الفلاح، فمن ذَلك الدُّعَاء الذي ذَكَرَه محمد بن أبي قُرَّة بإسنَادِه، فقال: حدثني أبو الغنائم محمد بن محمد بن محمد بن عَبْد الله الحَسَني، قال: أخبرنا أبو عمرو محمد بن محمد بن ناصر السكوني رضي الله عنه، قال: سألت أبا بكر أحمد بن محمد بن عُثمان البغدادي رحمه الله أن يُخرج إلي أدعية شهر رمضان التي كان عمه أبو جعفر محمد بن عُثمان بن السعِيد العَمري رضي الله عنه وأرضاه يدعو بها، فأخرج إلي دفتراً مُجلداً بأحمر، فنسَختُ منه أدعية كثيرة، وكان من جملتها: "وتدعو بهذا الدعاء في كل ليلة من شهر رمضان، فإن الدعاء في هذا الشهر تسمعه الملائكة وتستغفر لصاحبه"، وهو: "اللهم إني أفتتح الثناء بحمدك، وأنت مُسدد للصواب بمنك" إلى آخر الدعاء.

لو تأملنا في هذا السند لوجدنا أن فيه ست وسائط:

الواسطة الأولى هو من نقل هذا السند، وهو السيد رضا علي بن مُوسى بن جعفر بن طاووس، صاحب الكرامات وصاحب كتاب الإقبال وغيره من الكتب المعتبرة، وهو سيد جليل وسيد الطائفة ولا غبار عليه.

وأما الستة الباقية فهم الواقعون في سلسلة السند الذي ذكره السيد ابن طاووس، ولنذكرهم تباعًا:

  1. محمد بن أبي قُرَّة.
  2. أبو الغنائم محمد بن محمد بن محمد بن عَبْد الله الحَسَني.
  3. أبو عمرو محمد بن محمد بن نَصْر السكوني رضي الله عنه.
  4. أبو بكر أحمد بن محمد بن عُثمان البغدادي رحمه الله.
  5. عمه أبو جعفر محمد بن عُثمان بن سعيد العَمري رضي الله عنه، وهو السفير الثاني للإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف.

ولنتطرق إلى هذه الأسماء الستة على ما ذُكر من حالهم في كتب الرجال والتراجم.

أما الأول وهو السيد ابن طاووس، فهو في آية سماء الجلالة والوثاقة وصاحب الكرامات وسيد الطائفة.

وأما الثاني وهو محمد بن أبي قُرَّة، وفي نسخة قريرة، فقد جاء في معجم رجال الحديث، قال الشيخ محمد بن أحمد الصفواني في كتاب التعريف، وهي رسالة منه إلى ولده، وقد زكَّاه أصحابنا عند ذكر اسمه وأثنوا عليه في باب صلاة شهر رمضان، فإذاً يمكن توثيقه.

وأما الثالث أبو الغنائم محمد بن محمد بن محمد بن عَبْد الله الحَسَني، فمن يبحث عنه في كتب الرجال والتراجم فلربما لا يعثر على شيء، وهذا يحتاج إلى مزيد من البحث والتتبع، فإن عثرنا على ما يفيد مدحه أو توثيقه فهو، وإلا فستكون هذه الرواية ضعيفة بالحسني، إذ سيكون حينئذٍ مهملًا لم يُذكر في حقه شيءٌ أو مجهول.

وأما الرابع وهو محمد أبو عَمْر محمد بن محمد بن نَصْر السكوني، وقد تُرَضي عليه في هذا السند، وقد ذكره الشيخ النجاشي فقال ما نصه: "محمد بن محمد بن نَصْر منصور، أبو عَمْر السكوني المعروف بابن خرقة، رجلٌ من أصحابنا، من أهل البصرة، شيخ الطائفة في وقته فقيهٌ ثقةٌ له كتبٌ، منها كتاب السهو وكتاب الحيض"، إذاً، هذا الرجل وهو السكوني ثقةٌ جليل.

يبقى أبو بكر أحمد بن محمد بن عُثمان البغدادي، فجده لأبيه هو السفير الأول عثمان بن سعيد العَمري، وعمه هو السفير الثاني أبو جعفر محمد بن عُثمان بن سعيد العَمري، فهو من بيت جليل من بيوت وجهاء الشيعة، وقد ترحم عليه السيد ابن طاووس رضوان الله عليه، إذ قال: "رحمه الله".

كما ترحم عليه غير السيد ابن طاووس من الأعاظم، ولعلَّها هذا الترحم يفيد الحسن والمدح، وإن فرق بعضهم بين الترضي، كترضي الصدوق، فاستفاد التوثيق، وبين الترحم فلم يستفاد منها التوثيق، إذ أن الرحمة تُطلب للبر والفاجر، فهذا الرجل لم يُنص على توثيقه، كما أن الترحم لا يفيد الوثاقة، لكن كونه من هذا البيت وهو في مقام نقل الدعاء من عمه، والترحم عليه، فبلحاظ هذه القرآن على الأقل يستفاد منها حسن حاله إن لم يُستفاد التوثيق.

وأما الرجل الأخير، وهو محمد بن عُثمان بن السعِيد العَمري، فهو السفير الثاني للإمام المهدي، وهو أجلُّ من أن يُوثَّق، إذ وثَّقه الإمام المهدي باختياره نائبًا خاصًا له.

خلاصة المقام الأول: هذا السند قد يُضعِّف بأبي الغنائم محمد بن محمد بن محمد بن عَبْد الله الحَسَني.

لكن يمكن أن يُقال إن قاعدة التسامح في أدلة السنن تشمل هذا الحديث الذي يروي دعاء الافتتاح.

وثانياً هذا الدعاء مضامينه عالية جداً، وهناك مبنى يقول: إن قوة المتن تُغني عن النظر في السند، لكننا لا نبني على هذا المبنى، فتكون النتيجة إن السند قد وصل إلينا بطريق ضعيف، ولكن يمكن الإتيان بهذا الدعاء برجاء المطلوبية والتقرب إلى الله تبارك وتعالى بمثل هذا الدعاء عالي المضامين.

هذا تمام الكلام في المقام الأول، وهو دراسة سلسلة الرواة الواردين في السند.

المقام الثاني في تحقيق المنسوب إليه هذا الدعاء الشريف، ولم يُثبت نسبة هذا الدعاء إلى خصوص الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف، فلا يرد هذا الإشكال من أن الإمام المهدي كيف يدعو لنفسه في هذا الدعاء، إذ جاء فيه: "اللهم وصل على ولي أمرك القائم المؤمل والعدل المنتظر، وحفه بملائكتك المقربين، وآيده بروح القدس يا رب العالمين".

كما أن الزيدية في زماننا هذا في اليمن يقرأون دعاء الافتتاح، لكن يحذفون الفقرة التي ورد فيها ذكر جميع الأئمة الإثني عشر صلوات الله وسلامه عليهم، حتى شاع في اليمن قراءة دعاء الافتتاح على الطريقة الزيدية، والمراد به حذف ذكر الأئمة عليهم السلام والدعاء للإمام المهدي، إذ إنهم يرون أن سلسلة أئمة الزيدية متصلة ولا تنحصر في اثني عشر، بينما الشيعة الإمامية يرون أن الإمام المهدي قد وُلِد وقد غاب، وهو المهدي المنتظر، بينما السنة يرون أن المهدي لم يولد.

والتحقيق في المقام الثاني ـ وإن لم يكفِ الوقت ـ فإن القدر المتيقن من دعاء الافتتاح أن السفير الثاني كان يواظب على الدعاء به في كل ليلة من ليالي شهر رمضان، ولكن هل أخذ هذا الدعاء من الإمام المهدي أو من الحسن العسكري، إذ إنه وكيل للإمام الحسن العسكري أيضًا، أو أخذه من أبيه السفير الأول عثمان بن سعيد العَمري الذي كان وكيلًا للإمام الهادي والعسكري والمهدي، أو أنه روى فيما رُوي عن أحد الأئمة عليهم السلام من دون النص على ذلك.

فهناك قدران متيقنان:

الأول أن السفير الثاني أبو جعفر محمد بن عثمان بن سعيد العَمري كان يدعو بهذا الدعاء في كل ليلة من ليالي شهر رمضان.

الثاني أن هذا الدعاء ليس من اختراع السفير الثاني، وإنما هو مأثور عن أحد الأئمة، لكن هذا الإمام قد يكون هو الإمام المهدي، أو قد يكون هو الإمام العسكري، أو قد يكون الإمام الهادي، فقد جاء في الرواية عن صحيحة أبي علي أحمد بن إسحاق عن أبي الحسن الهادي عليه السلام، قال: سألته وقلت له: من أعامل؟ أو عن من أخذ؟ ومن أقبل؟ فقال له: "العمري ثقتي"، يقصد السفير الأول، "فما أدي إليك عني فَعني يؤدي، وما قال لك عني فعني يقول اسمع له وأطع، فإنه الثقة المأمون".

وسأل أبا محمد العسكري عن مثل ذلك، فقال له: "العمري وابنه ثقتان"، يقصد العمري الأول السفير الأول والعمري الثاني السفير الثاني، "العمري وابنه ثقتان، فما أدي إليك عني فعني يؤديان، وما قالا لك فعني يقولان اسمع لهما واطعهما، فإنهما الثقتان المأمونة".

ومن هنا يتضح دقة ما ذُكر في المصادر التي ذكرناها، إذ إنها لم تنسب الدعاء إلى الإمام المهدي، بل بعضها لم يذكر السفير الثاني، بل قال: "ومما يُدعى به في كل ليلة من ليالي شهر رمضان دعاء الافتتاح"، لكن السيد ابن طاووس نص على أن السفير الثاني كان يواظب على هذا الدعاء في كل ليلة، ومن المعلوم من تدين السفير الثاني أنه لا يخترع دعاءً ويواظب عليه، بل يأخذه مما أُثر عن الأئمة عليهم السلام.

وخلاصة البحث في المقام الأول والمقام الثاني، أي في سند دعاء الافتتاح، أن دعاء الافتتاح وردنا بسند ضعيف ولم يُعلم الشخص المنسوب إليه من الأئمة، لكننا نتيقن أن السفير الثاني كان يواظب على ما في الرواية، ونطمئن أنه قد أخذه عن أحد المعصومين، فلا بأس بالدعاء بدعاء الافتتاح في كل ليلة من شهر رمضان.

ولو قلنا بأدلة التسامح في أدلة السنن، لثبت استحباب قراءة دعاء الافتتاح في كل ليلة، وإن لم نقل بها، فإنه يمكن الإتيان بهذا الدعاء برجاء المطلوبية، والله العالم.

وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين

00:00

05

2025
| مارس
جلسات أخرى من هذه الدورة 9 الجلسة

05

مارس | 2025
  • الكتاب: شرح دعاء الإفتتاح
  • الجزء

    01

  • 500

    الصفحة
جلسات أخرى من هذه الدورة
9 الجلسة