في رحاب دعاء الإفتتاح
شیخ الدقاق

03 - سر اقتران الحمد بالتسبيح

في رحاب دعاء الإفتتاح

  • الكتاب: شرح دعاء الإفتتاح
  • الجزء

    01

  • الصفحة  

    500

08

2025 | مارس

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمدالله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين

اللهم كن لوليك الحجة بن الحسن صلواتك عليه وعلى آبائه في هذه الساعة وفي كل ساعة وليًا وحافظًا وقائدًا وناصرًا ودليًلا وعينًا حتى تسكنه أرضك طوعًا وتمتعه فيها طويلًا برحمتك يا أرحم الراحمين.

سر اقتران الحمد بالتسبيح

سر اقتران الحمد بالتسبيح، لو لاحظنا بعض الأذكار كالأذكار الوارد في ركوع الصلاة: "سبحان ربي العظيم وبحمده"، والذكر الوارد في سجود الصلاة: "سبحان ربي الأعلى وبحمده"، سنلحظ أن التسبيح والتنزيه "سبحان ربي العظيم" أو "الأعلى" قد اقترن بحمد الله تبارك وتعالى، لكن في بعض موارده اقتصر على الحمد والتحميد من دون اقترانه بالتسبيح، كما في مستهل دعاء الافتتاح: "اللهم إني أفتتح الثناء بحمدك"، فاقتصر في الافتتاح على حمد الله تبارك وتعالى ولم يذكر التسبيح والتنزيه، فما هو الفارق بينهما؟ وما هو السر في اختلاف التعبير؟

والجواب: إن السبب هما اختلاف المقامات، فاختلاف المقامات منشأ لاختلاف أنواع الثناء، فذكر الصلاة في الركوع والسجود إنما هو في مقام الشهادة، بخلاف مفتتح دعاء الافتتاح، فإن المتكلم في مقام الدعاء، وفرق بين مقام الدعاء ومقام الشهادة؛ ففي مقام الدعاء يستحب للداعي أن يستهلّ ويفتتح دعاءه بحمد الله والثناء عليه، بينما في مقام الشهادة يعتبر فيه إحاطة الشاهد بتمام أطراف المشهود به، فإذا أراد المخلوق أن يشهد لله تبارك وتعالى، فلا بد أن تكون شهادة المخلوق الممكن الضعيف تليق بحال المشهود له، وهو الله الغني الكامل، وأنى للممكن أن يحيط بالواجب، وأنى للناقص أن يحيط بالكامل، وأنى للمحدود أن يحيط بغير المحدود، وأنى للمتناهي وهو الإنسان، أن يحيط بلامتناهي وهو الله تبارك وتعالى.

فحينئذٍ، لا بد للشاهد وهو الإنسان الممكن الناقص المحدود المتناهي، أن ينزّه المشهود له وهو الله الكامل اللامتناهي اللامحدود. فالله عز وجل نور لا نقص فيه، والإنسان ممكن ناقص، فإذا أراد الناقص أن يشهد للكامل، فلا بد من تنزيهه، ففي مقام الشهادة يقرن الشاهد وهو الإنسان الممكن ثناءه على الله بتنزيهه له، فيقول: "سبحان ربي الأعلى وبحمده" أو "سبحان ربي العظيم وبحمده"، أي أن تسبيحي ممتزج بحمدي، وحمدي ممتزج بتسبيحي، قال تعالى: "وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم" (سورة الإسراء، الآية 44)، أي أن كل شيء في الكون يصدر منه ثناءٌ مركبٌ من التحميد والتسبيح، لأن كل ما في الكون إنما هو موجود ممكن، وأنى لممكن أن يشهد في حق الواجب حق شهادة.

وإذا أراد أن يشهد له أنى له أن يحيط بتمام المشهود من خصائص، فإذا أراد أن يثني عليه يقرن ثناءه وحمده بالتسبيح.

إذا تحميد وتسبيح ما في  الكون لله، لأنه في مقام الشهادة لله، وأنى للموجود المحدود أن يحيط بالموجود اللامحدود، فلا بد من قرن الثناء والتحميد بالتسبيح، بخلاف مقام الدعاء فإن العبد الضعيف والفقير في مقام الطلب والتقرب إلى الله الغني المطلوب، فيكفي أن يثني عليه ليقترب إليه، ويكفي أن يقتصر على التحميد والثناء لكي يتقرب إلى الله تبارك وتعالى.

فقد جاء في الصحيفة السجادية في المناجاة السادسة عشر (مناجاة الشاكرين) قول الإمام السجاد عليه السلام: "فكيف لي بتحصيل الشكر وشكري إياك يفتقر إلى شكر؟!، فكلما قلت لك: "الحمد"، وجب لذلك أن أقول لك "الحمد"".

والسر في ذلك أن حمد الله فرع إقدار الله لعبده المسكين على حمده، فكل حمد يفتقر إلى شكر، وكل شكر يفتقر إلى شكر، لأنك لا تحمد الله ولا تشكر الله إلا إذا أقدرك على حمده وشكره، ومن هنا ستكون عاجزًا عن شكره.

ومن هنا كان سماحة آية الله العظمى المرجع الديني السيد محمود الحسيني الشاهرودي رحمه الله، الذي كان مرجعًا مع السيد محسن الحكيم والسيد أبو القاسم الخوئي، وقد عمرَ على ما ينيف على المئة سنة، وكان يحمل من كتفه الأيمن والأيسر، فإذا رآه أحدهم وقال له: "كيف صحتكم سيدنا؟" قال: "عاجز عن شكره، عاجز عن شكره"، أي أن الإنسان العبد الضعيف عاجز عن شكر الله تبارك وتعالى.

ومن هنا يتضح أن جميع أنواع الحمد راجعة إلى الله تبارك وتعالى، وأن جميع أنواع الثناء الحسن الجميل ترجع إلى الله تبارك وتعالى، لأن كل جميل يصدر من المخلوق مرجعه إلى الخالق، فكل جميل من المخلوق ينتسب إلى الخالق، فلولا جمال الله وجمال أفعال الله لما وفِّق أي إنسان لفعل جميل، إذ كيف يمكن لأي مخلوق أن يصدر منه فعل جميل لولا أن الله عز وجل أقدره على الفعل الجميل، وأعطاه طاقة على أداء العمل الجميل؟!

فكل جميل صادق مستند إلى الله تبارك وتعالى، فجميع الجميل والإحسان والحمد وإن نسبت للمخلوقين، إلا أنها راجعة إلى الله تبارك وتعالى، ومن هنا يتضح وجه اختصاص الحمد لله، فتقول في سورة الفاتحة: "الحمد لله رب العالمين"، أي الحمد مختص بالله تبارك وتعالى، فالألف واللام جنسيّة، أي جنس الحمد مختص بالله، فالألف واللام في الحمد جنسيّة، واللام في لفظ الجلالة تفيد الاختصاص.

الحمد لله، قال تعالى: "له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير" (سورة التغابن، الآية الأولى)، أي أن الملك الحقيقي مختص بالله، والحمد الحقيقي مختص بالله، وسر هذا الاختصاص هو قدرة الله، ومن هنا عقبَت الآية: "وهو على كل شيء قدير"، أي أن سر اختصاص الملك بالله واختصاص الحمد لله هو أن الله على كل شيء قدير، يعني لا توجد قدرة حقيقية على كل شيء إلا لله تبارك وتعالى، ومن هنا يختص الحمد لله وحده، ويختص الملك الحقيقي بالله تبارك وتعالى وحده.

أقسام الحمد أو أنواع الحمد ثلاثة أنواع:

الأول الحمد القلبي: وهو إدراك الجمال الإلهي، فلو أدركت إدراكًا عقليًا قلبيًا سر جمال الكون وسر جمال الخلق، فهذا حمد قلبي، وفي كل شيء له آية تدل على أنه واحد، فلو تأملت في شؤون الخلق وأعملت ما يُعبّر عنه ببرهان الناظم، أي إن النظم يكشف عن وجود منظم، والمعلول المنظم يكشف عن وجود علة منظمة، كقولهم: "البعرة تدل على البعير، وأثر الأقدام يدل على المسير، أفَأرض ذات أفجاج، وسماء ذات أبراج ألا يدلان على الصانع اللطيف الخبير؟!"، فهذا برهان الناظم ما ظهر من مظاهر حمد الله تبارك وتعالى، وهذا الحمد القلبي.

الحمد القلبي هو إدراك الجمال الإلهي، إدراك العاقل لأسرار الجمال الإلهي في خلقه.

الثاني الحمد اللسان: وهو الثناء الذي يجري على اللسان، كقولك: "الحمد لله، والشكر لله، أثني على الله"، وما شابه ذلك من ألفاظ، الحمد لله بمحامده كلها على جميع نعمه، هذا نوع من أنواع الحمد، وهو الحمد اللفظي.

الثالث الحمد السلوكي: أي الثناء في مقام العمل، كالشكر العملي الوارد في قوله تعالى: "اعملوا آل داود شكرًا" (من عبادي الشكور)، فالشكر العملي هو أن تستعمل بدنك وعقلك فيما أنعم الله به عليك أداءً لحقه ولحق النعمة، هذا شكر عملي.

كذلك يوجد الحمد العملي أو الحمد السلوكي، وله مظاهر كثيرة.

المظهر الأول: التفقه في الدين، جاء في الحديث الشريف: "لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيما أفناه، وشبابه فيما أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه، وفيما أنفقه، وعن حبنا أهل البيت" (بحار الأنوار، الجزء السابع، صفحة 258، باب 11، الحديث الثاني).

فأكثر الناس يهتم بالمعاملة بالمال وأن يتكسب، فيسعى لإبرام العقود والمعاملات التي تدر عليه المكاسب، من دون أن يتفقه في الدين، لذلك ورد: "من اتجر بغير تفقه فقد ارتطم بالربا"، إذًا التفقه في تعلم الفقه وطلب فهم الدين هو مظهر سلوكي، هذا حمد عملي.

المظهر الثاني: إخراج الحقوق من المال. فقد ورد عن أبي بصير، قال: "قلت لأبي جعفر عليه السلام، الإمام: وما أيسر ما يدخل به العبد النار؟ قال عليه السلام: من أكل من مال اليتيم درهماً، ونحن اليتيم، (من لا يحضره الفقيه، الجزء الثاني، صفحة 42، باب الخمس، الحديث 650)، أي من منع حق أهل البيت، وهو الخمس الذي أقره الله لبني هاشم وغيرهم.

يحدثنا التاريخ أن أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب عليه السلام دخل دار الحارث بن زياد فوجدها واسعة، قال: "يا حارث ما تصنع بهذه الدار الواسعة؟!، فسكت الحارث. فقال له الإمام علي عليه السلام: "إنك تستطيع أن تصل بها إلى الآخرة"، قال الحارث: "كيف سيدي؟" قال عليه السلام: "تقرئ الضيف، وتصل الرحم، وتخرج الحقوق من مخارجها، فإذا أنت فعلت ذلك قد وصلت بها الآخرة".

المظهر الثالث: التنعّم بنعم الله وعدم الإسراف فيها، إذ أن الله عز وجل خلق هذه النعم والأولى بها المؤمن الفاسق، قال تعالى: "يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين" (سورة الإسراء، الآية 31).

فالمطلوب هو التنعّم بنعم الله وأخذ الزينة، هذا مظهر من مظاهر حمد الله عمليًا، ولكن الإسراف والتبذير يوجب زوال النعمة، فلا بد من وضع المال في موضعه، وهذا مظهر من مظاهر الحمد السلوكي. وإذا وُضع المال في غير موضعه، فهذا قد يوجب قسم الظهر، قال تعالى: "وضرب الله مثلًا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدًا من كل مكان فكفرت بأنعم الله" النتيجة: "فأذَاقَها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون" (سورة النحل، الآية 12)، الباء السببية أي بسبب ما كانوا يصنعون.

يُقال إن هذه القرية أنعم الله عليها، فبطروا إلى درجة أنهم أخذوا يستنجوا من العذر بالخبز حتى تراكم الخبز وأصبح جبلاً، فلما حصلت المجاعة اضطروا إلى أكل الخبز اليابس مع العذرة، الله يذكره بالخير السيد القزويني خطيب الحرم الحسيني قال: "أكلوه بودامِه"، هذه هي نتيجة الكفر بنعم الله تبارك وتعالى.

إذًا ما أحوجنا إلى الشكر العملي، وما أحوجنا إلى الحمد السلوكي، يعني: الله أعطاك ذكاءً تستثمره في الدراسة، الله أعطاك صحةً تستثمرها في العبادة، الله أعطاك مالًا تستثمره في رعاية الأيتام والفقراء، الله أعطاك وقتًا تستثمره في قضاء حوائج الناس، وهكذا... الله أعطاك علاقات ومعارف تستثمرها في خدمة المؤمنين، هذا يقال له حمد سلوكي، وأيضًا يُقال له شكر عملي، لأن الشكر هو الثناء على النعمة، والحمد هو الثناء على الجميل الاختياري.

هذا تمام الكلام في شرح المقطع الأول.

"اللهم إني.." «إن» حرف توكيد ونقص، وأضيفت لها ياء النسبة لبيان المتكلم أنا، "اللهم إني.." يعني يا الله أؤكد لك أنني أفتتح ثنائي ودعائي بحمدك، أي بالثناء على الجميل الاختياري.

المقطع الثاني: وأنت مسدد للصواب بمنك، يأتي عليه الكلام، وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين

00:00

08

2025
| مارس
جلسات أخرى من هذه الدورة 9 الجلسة

08

مارس | 2025
  • الكتاب: شرح دعاء الإفتتاح
  • الجزء

    01

  • 500

    الصفحة
جلسات أخرى من هذه الدورة
9 الجلسة