في رحاب دعاء الإفتتاح
شیخ الدقاق

04 - علاقة التسديد بالافتتاح بالحمد

في رحاب دعاء الإفتتاح

  • الكتاب: شرح دعاء الإفتتاح
  • الجزء

    01

  • الصفحة  

    500

09

2025 | مارس

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمدالله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين

اللهم كن لوليك الحجة بن الحسن صلواتك عليه وعلى آبائه في هذه الساعة وفي كل ساعة وليًا وحافظًا وقائدًا وناصرًا ودليًلا وعينًا حتى تسكنه أرضك طوعًا وتمتعه فيها طويلًا برحمتك يا أرحم الراحمين.

علاقة التسديد بالافتتاح بالحمد

جاء في مستهل دعاء الافتتاح: "اللهم إني أفتتح الثناء بحمدك، وأنت مسدد للصواب بمنك".

يبدأ الداعي بالحديث عن نفسه، ثم ينتقل إلى الحديث عن ربه، أول ما يبدأ الداعي يخاطب ربه تبارك وتعالى فيقول: "يا الله، أنا أفتتح مدحي وثنائي بحمدك"، هذا بالنسبة إلى حال الداعي، ثم ينتقل إلى بيان حال المدعو، وهو الله عز وجل، فيقول: "وأنت مسدد للصواب بمنك"، أي: "أنت يا رب، يا الله، تسددني إلى الصواب والطريق الصحيح"، والمراد بالسداد هو العصمة من الخطأ، أي أنت يا رب تجعل طريقي صائبًا خاليًا من الخطأ بمنك" أي بفضلك.

وهنا يأتي السؤال: ما هي العلاقة بين الفقرتين؟ فقرة افتتاح الثناء أولاً وفقرة التسديد للصواب ثانياً، هناك ثلاثة احتمالات:

الاحتمال الأول: الفقرة الأولى علة للفقرة الثانية. أي: "يا الله لأني أفتتح الثناء بحمدك، هذا الثناء الذي افتتحت به دعائي يوجب ويقتضي أن تسددني للصواب والطريق الصحيح بمنك وتفضلك.

الاحتمال الثاني: بالعكس، الفقرة الأولى معلول والفقرة الثانية علة، أي: "لأنك يا رب سددتني للصواب بمنك ولطفك هذا علة، فإنني أثني عليك وأفتتح ثنائي بحمدك".

إذاً الاحتمال الأول يجعل الفقرة الأولى علة والفقرة الثانية معلول، الاحتمال الثاني بالعكس يجعل الفقرة الثانية هي علة وهي التسديد للصواب والفقرة الأولى معلول، أي الثناء على الله وحمده.

الاحتمال الثالث: لا علة ولا معلولية بين الفقرتين، بل كل جملة منهما جملة مستأنفة ومستقلة، فالجملة الأولى يتحدث الداعي عن نفسه مخاطبًا ربه: "يا رب! إنني أثني عليك وأفتتح أموري ودعائي بحمدك"، وفي الجملة الثانية يثني أيضًا فيها العبد على ربه ويخاطبه قائلاً: "أنت من يسددني للصواب"، فلا علة ولا معلول بين الفقرتين.

ولو رجعنا إلى ظاهر الجملتين وأرادنا أن نستظهر منهما بحسب قواعد اللغة العربية والمحاورات العرفية لما وجدنا أداة أو حرفاً يدل على العلة أو المعلولية، بل ظاهر الجملتين كون كل منهما مستقل، وهو في مقام الثناء على الله تبارك وتعالى، وفي مثل الدعاء يحسن الإسهاب لا الإيجاز، وهذا ما يدرس في اللغة العربية وفي البلاغة العربية.

ففي مقام المدح والثناء والإطراء، يحسن الإطناب لا الإيجاب فالإسهاب والاسترسال مطلوبٌ في مقام المدح ومقام الطلب، لا سيما في مقام الذي هو طلب من الداني (وهو العبد) إلى العالي (وهو الرب تبارك وتعالى).

ويقع الكلام في معنى التسديد، إذ قال الدعاء: "وأنت مسددٌ للصواب بمنك" فما هو المراد بالتسديد؟ يمكن أن تذكر عدة معاني للتسديد، أبرزها معنيان:

المعنى الأول: التسديد بروح القدس.

المعنى الثاني: التسديد بالهداية الأمرية.

فمعنى التسديد واضح في اللغة العربية وهو الإرشاد إلى الصواب، لكن المقصود والمراد من التسديد هنا في هذا الدعاء قد يذكر له عدة معاني، أبرزها معنيان:

المعنى الأول التسديد بروح القدس، وروح القدس مخلوق خلقه الله تعالى، أعلى من الملائكة وأعلى من جبريل، أعظم ملك من ملائكة الله تبارك وتعالى، ورح القدس تتصل بالأنبياء والأئمة والمؤمنين، والدليل على ذلك قوله تعالى: "أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروحٍ منه، (سورة المجادلة آية 22).

وقال في حديثه عن نبي الله عيسى على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسلام: "وآتينا عيسى بن مريم البينات وأيدناه بروح القدس".

والقرينة على اختلاف روح القدس قوله تعالى في بيان عظمة شأن ليلة القدر: "تنزل الملائكة والروح فيها"، فعطف الروح على الملائكة، والأصل في العطف هو المغايرة والتأسيس وليس عطف البيان، فلا يحمل قوله "الملائكة والروح" على أنهما شيء واحد، بل الروح موجود أعظم وجودًا وأقوى نفوذًا من الملائكة.

وهذا ما دلت عليه النصوص الشريفة من أن الروح القدس ليس هو جبريل، بل روح القدس موجود ومخلوق أعظم خلقًا من الملائكة، وصلاحياته واسعة وتأثيره أقوى من الملائكة، لذلك ينزل الروح القدس في ليلة القدر.

إذًا قوله عليه السلام: "وأنت مسدد للصواب بمنك" أي: "أنت يا الله عن طريق إرسال روح القدس تسددني إلى الصواب"، لكن لا يوجد في دعاء الافتتاح في قوله "وأنت مسددٌ" قرينة تدل على أن المراد بالمسدد هو روح القدس، بل ظاهر عبارة "أن الله مسدد بالمباشرة" لا بالواسطة، والتسديد بروح القدس تسديد بالواسطة لا بالمباشر.

ومن هنا فقد يقال بالمعنى الثاني وهو التسديد بالهداية الأمرية، وهذا ما يحتاج إلى تفصيل، إذ توجد أقسام متعددة أذكرها بالإيجاز حتى لا يحصل تشتت، ثم نفصلها تباعًا.

الهداية تنقسم إلى قسمين: هداية تشريعية وهداية تكوينية، والهداية التكوينية تنقسم إلى قسمين: هداية استحقاقية وهداية تفضيلية، والهداية التفضيلية تنقسم إلى قسمين: هداية عامة وهداية خاصة، والهداية الخاصة تنقسم إلى قسمين: هداية خلقية وهداية أمرية.

إذاً الهداية الأمرية هي قسم من الهداية الخلقية، والهداية الأمرية قسم من أقسام الهداية الخاصة، التي هي قسم من أقسام الهداية التفضيلية، التي هي قسم من أقسام الهداية التكوينية، فما هو معنى هذه الهدايات وما معنى خصوص الهداية الأمرية التي يراد من التسديد إلى الصواب أنها الهداية الأمرية.

تفصيل ذلك:

الهداية على قسمين: هداية تشريعية وهداية تكوينية، الهداية التشريعية هي الهداية التي يقوم بها الله عن طريق الأنبياء والرسل، بمعنى أن الهداية عن واسطة، ويدل على ذلك قوله: "رسلاً مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وكان الله عزيزًا حكيمًا" (سورة النساء، آية 165)، فإنذار وتبشير الأنبياء هداية تشريعية.

أما الهداية التكوينية فهي الهداية التي لا يتوسط فيها نبي ولا رسول، فالهداية التكوينية مأخوذة من عالم التكوين والخلق، ومنشأ ذلك قوله تعالى: "إنما أمره إذا أراد شيئًا أن يقول له كن فيكون"، فهداية النحل لصنع العسل وهداية النمل لحفر الغار وجلب القوت هذه هداية خلقية وليست هداية تشريعية.

إذاً الفارق بين الهداية التشريعية والهداية التكوينية هو توسط الأمر، في الهداية التشريعية يوجد توسط أمر، أمر الله، أمر النبي، أمر الإمام، وأما الهداية التكوينية فتتم فيها الهداية دون توسط أمر أي بنفس الخلق، "إنما أمره إذا أراد شيئًا أن يقول له كن فيكون" من دون حاجة إلى أمر.

والهداية التكوينية، أي الخلقية، تتم دون توسط، يعني المباشرة، على قسمين: هداية استحقاقية وهداية تفضيلية.

القسم الأول: الهداية الاستحقاقية هي الهداية التي يستحقها العبد على الله تعالى لوعد الله لعبده، لا لكفاءة ذلك العبد، يدل على ذلك قوله تعالى: "والذين جاهدوا فينا لنهديَنَّهم سُبلنا وإن الله لمع المحسنين" (سورة العنكبوت، آية 69).

"كتب الله على نفسه الرحمة"، فهناك أمور التزم بها الله على نفسه فيستحقها العبد، لا لكفاءة العبد بل لأن الله التزم بها وكتبها على نفسه، قال تعالى في حق أصحاب الكهف: "إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى" (سورة الكهف، آية 13)، يعني نتيجة أنهم آمنوا بربهم زدناهم هدى، فزيادة الهدى هنا هداية استحقاقية، أي نتيجة زيادة الإيمان، فإنه يستحق المزيد من الهداية.

هذا هو القسم الأول: الهداية الاستحقاقية، وهي الهداية التي يستحقها العبد لوعد الله له.

القسم الثاني: الهداية التفضيلية، وهي الهداية التي يهبها الله لمن يشاء من عباده ويتفضل عليه ابتداءً، حتى لو لم يقم بجهد أو عمل.

والهداية التفضيلية تنقسم إلى قسمين:

القسم الأول هداية عامة لجميع المخلوقات من بشر وغير بشر.

القسم الثاني هداية خاصة بخصوص البشر والإنسان.

الهداية العامة التي تشمل البشر وغير البشر، الله عزّ وجل هدى جميع الحيوانات وهدى جميع النباتات، بل جميع المخلوقات في العالم تسير وفق منظومة هداها الله إليها، "قال فمن ربكما يا موسى قال ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى" (سورة طه، آية 50)، أي إن الله تعالى خلق المخلوقات وهداها لمسيرتها، فهذه هداية تفضيلية عامة، قال تعالى: "وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم" (سورة الإسراء، آية 44)، يعني لا يوجد شيء مطلقًا لا يسلم من التسبيح، فجميع المخلوقات وجميع الموجودات تسبح وتحمد الله عزّ وجل.

وهذا يشير إلى مبنى فلسفي، والاعتقاد بهذا يشير إلى مبنى فلسفي، وهو أن الوجود مساوق للعلم والشعور، الوجود يعني العلم، الوجود يعني الشعور، فكل شيء موجود أي عالم وكل شيء موجود له شعور، فإذا قلت "هذا موجود"، فهذا يعني له حظ من العلم والشعور.

إذن إن التزمنا بهذا المبنى الفلسفي، وهو أن وجود الشيء مساوق لوجود حظ من العلم والشعور فيه، سندرك قوله تعالى: "لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعًا متصدعًا من خشية الله، وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون" (سورة الحشر، آية 21)، أي أن الجبل موجود، إذا موجود له حظ من العلم والشعور، فإذا علم بما في القرآن واستشعر إنذارات القرآن، لتصدع هذا الجبل وخشع من خشية.

وهذا الجبل يشمله عموم قوله تعالى: "وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم"، هذه هداية عامة، جميع الموجودات لها حظ من العلم والشعور ولها هداية ومسيرة خاصة خصها الله بها، هذه هداية عامة لجميع المخلوقات.

القسم: الهداية الخاصة لخصوص البشر العاقل، وتنقسم إلى قسمين:

القسم الأول هداية خلقية.

القسم الثاني هداية أمرية.

الهداية الخلقية هي عبارة عن تهيئة الأسباب المادية للهداية. فحينما ذهبت إلى الهند ورأيت الهندوس يصب ماء النارجيل على الصنم ويعبدونه، ذكرت قول الشاعر:

لا عذب الله أمي إنها شربت حب الوصي وغذتنيه في اللبن

وكان لي والد يهوى أبا حسن

فصرت من ذي وذى أهوى أبا حسن.

أي أنني شكرت الله على لطفه أن أولدني من والدين مسلمين شيعيين، قلت لو ولدت من والدين هندوسيين (والعياذ بالله) لربما يأخذون الجو العام في عبادة هذه الأصنام (والعياذ بالله)، هذه هداية تكوينية تفضيلية خاصة خلقية، يعني خلقني هكذا.

يقول الحسين بن علي صلوات الله وسلامه عليه في دعاء عرفة: "لم تنشئني في دولة الكفر"، يثني على الله، "أنا أنشأته وخلقه وأوجده في دولة الإسلام"، وهذا لطف من الله بالنسبة إلى الجينات الوراثية، حتى بالنسبة إلى الأنبياء، قال تعالى: "إن الله اصطفى آدم ونوحًا وآل إبراهيم وال عمران على العالمين ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم" (سورة آل عمران، آية 33-34)، يعني كل هذا من شجرة واحدة، والعامل الوراثي حقق مفعوله، وهذا العامل الوراثي والمادي من الله تبارك وتعالى، الله عز وجل هيأ الأسباب المادية، هذه هداية خلقية.

القسم الثاني: الهداية الأمرية، والمراد أن الله يزرع الهداية في قلب المؤمن بدون وسائط وبلا أسباب، كما زرع الهداية في قلب سلمان الفارسي الذي نشأ في أسرة وثنية في فارس، وهدى قلبه، وكما زرع الهداية في قلب أبي ذر الغفاري، هذه هداية بأمر الله، يعني هداية تكوينية بأمر الله، والدليل على ذلك قوله تعالى: "وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا" (سورة الأنبياء، آية 73).

هذه هداية تكوينية بأمر الله، قال تعالى: "أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله أولئك في ضلال مبين"، أي إن الله نور، ويقذف نوره في قلبه من يشاء من عباده. قال تعالى: "أو من كان ميتا فآحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها كذلك زين للكافرين ما كانوا يعملون".

إذاً هذه هداية أمرية، هذه الهداية الأمرية يعبر عنها بالعصمة، العصمة لها درجة دُنيا وهي التسديد للصواب، ولها درجة عليا وهي الامتناع عن الخطيئة، هذه أدنى درجات العصمة، وهي التسديد للصواب، هذا يتحقق في حق الكثيرين.

أما أعلى درجات العصمة فهي الامتناع عن جميع الذنوب، الامتناع عن جميع المعاصي، هذا لا يكون إلا في حق الأنبياء والأئمة عليهم أفضل الصلاة والسلام.

إذن "وأنت مسدد للصواب بمنك"، أي: اعصمني، والمراد بعصمني هو ماذا؟ أدنى درجات العصمة، أي: أرشدني إلى الصواب، سددني إلى الصواب.

إذاً المراد بقوله: "وأنت مسدد للصواب بمنك" الهداية الأمرية أي اهدني بأمرك، واعصمني بعصمتك، يا رب العالمين، تتمة الحديث تأتي، وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين

00:00

09

2025
| مارس
جلسات أخرى من هذه الدورة 9 الجلسة

09

مارس | 2025
  • الكتاب: شرح دعاء الإفتتاح
  • الجزء

    01

  • 500

    الصفحة
جلسات أخرى من هذه الدورة
9 الجلسة