في رحاب دعاء الإفتتاح
شیخ الدقاق

06 - الحكمة في أفعال الله تبارك وتعالى

في رحاب دعاء الإفتتاح

  • الكتاب: شرح دعاء الإفتتاح
  • الجزء

    01

  • الصفحة  

    500

11

2025 | مارس

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمدالله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين

اللهم كن لوليك الحجة بن الحسن صلواتك عليه وعلى آبائه في هذه الساعة وفي كل ساعة وليًا وحافظًا وقائدًا وناصرًا ودليًلا وعينًا حتى تسكنه أرضك طوعًا وتمتعه فيها طويلًا برحمتك يا أرحم الراحمين.

الحكمة في أفعال الله تبارك وتعالى

شرح قوله عليه السلام: "وأشد المعاقبين في موضع النكال والنقمة، وأعظم المتجبرين في موضع الكبرياء والعظمة".

النكال هو العقوبة أو النازلة، وقد ورد هذا اللفظ في القرآن الكريم: "والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما نكالاً من الله بما كسبا"، فالشاهد نكالاً هو عقوبة من الله، فاقطعوا أيديهما بما كسبا نكالاً من الله، إن كان مأخوذاً من النكول، وهو الامتناع، وهذا يدرس في كتاب القضاء، إذا نكل الشاهد، أي امتنع عن الشهادة، واطلق لفظ النكول على العقوبة؛ لأن الإنسان يمتنع عما يوجب العقوبة إذا رأى العقوبة والنازلة التي نزلت بالجاني، فمن يرى قطع يد السارق فإنه ينكل عن السرقة، ومن يرى رجم الزاني أو جلده فإنه ينكل عن الزنا أي يمتنع.

فالنكال من "نكل، ينكل نكالاً"، أي امتناعاً، والمراد بالنكال هو العقوبة أو النازلة التي يمتنع الإنسان عن تلك الجناية التي توجب تلك النازلة وتلك العقوبة، قال تعالى: "فجعلناها نكالا لما بين يديها وما خلفها"، أي فجعلناها عقوبة تقتضي الامتناع عن اقتحام مثل هذه الجناية فيما بين يديها وما خلفها.

والنقمة من "نقم، ينقم انتقاماً،، فهي نقمة ونقم، والمراد بها العقوبة الصادرة عن غضب، نقمت على فلان، أي غضبت على فلان، فالمراد بالنقمة العقوبة والنازلة عن غضب، وقد جاء في دعائكم: "اللهم اغفر لي الذنوب التي تنزل النقم" أي هذه ذنوب التي توجب السخط والغضب، فينزل العذاب والعقاب.

ولنقرأ الآن الفقرات الثلاث التي قيدت الرحمة بموضعها، والعقوبة بموضعها، والتجبر بموضعه، والتقييد بالموضع في المواطن الثلاثة تشير إلى حكمة الله تبارك وتعالى، إذ أنه يضع الشيء في موضعه؛ فيضع الرحمة في موضعها لا في موضع العقوبة، ويضع العقوبة في موضعها، ويتجبر في موضع التجبر.

قال عليه السلام: "نقول عليه السلام" لأننا نكاد نطمئن أن هذا الدعاء صدر من المعصوم عليه السلام، وقد يكون هو الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف، كما نسب إليه، وقد يكون أبوه الإمام الحسن العسكري أو أحد أبائهما عليهما السلام، لذلك نقول "قال عليه السلام" لأننا نطمئن أنه صادر من المعصوم عليه السلام، إذ أن السفير الثاني أبو جعفر محمد بن عثمان بن سعيد العمري لا يخترع الدعاء، وإنما يدعو كل ليلة بالمأثور عن المعصوم عليه السلام.

قال عليه السلام: "وأيقنت أنك أنت أرحم الراحمين في موضع العفو والرحمة، وأشد المعاقبين" أي وأيقنت أنك أنت أشد المعاقبين في موضع النكال والنقمة، "وأعظم المتجبرين في موضع الكبرياء والعظمة"، أي وأيقنت أنك أنت أعظم متجبرين في موضع الكبرياء والعظمة.

إذاً الداعي يجزم ويتيقن بثلاثة أمور: الأمر الأول أن الله عز وجل هو ارحم الراحمين في موضع وموطن العفو والرحمة، وأن الله عز وجل أشد المعاقبين في موضع العقوبة والنازلة والنقمة، وأن الله عز وجل أعظم المتجبرين في الموضع الذي يقتضي الكبرياء وبيان العظمة.

فهذا التقييد أي تقييد رحمة الله وجزاء الله وكبرياء الله بموضع معين دليل على عدم انفصال أفعال الله تبارك وتعالى عن حكمته عزّ وجل، فرحمته محفوفة بالحكمة، ومقتضى الحكمة وضع الرحمة في موضعها المناسب، وعقابه محفوفٌ بالحكمة، ومقتضى الحكمة وضع العقاب في الموضع المناسب، وكبريائه وعظمته محفوفة بالحكمة، ومقتضى الحكمة بيان الكبرياء في الموضع المناسب.

فهذا التقييد بالموضع والموطن إشارة إلى أن أفعال الله تبارك وتعالى محفوفة بالحكمة، وليست لغواً، إذ أن اللغو قبيح، والله عزّ وجل منزه عن القبيح.

هذا تمام الكلام في شرح قوله عليه السلام: "وأشد المعاقبين في موضع النكال والنقمة"، شرح قوله عليه السلام: "وأعظم المتجبرين في موضع الكبرياء والعظمة".

هنا ثلاثة مفاهيم وعناوين: الأول الجبار، الثاني الكبير والكبرياء، الثالث العظيم والعظمة، والله تبارك وتعالى قد وصف نفسه بهذه الصفات الثلاث في كتابه الكريم، وهي من أسماء الله الحسنى.

العنوان الأول: الجبار بمعنى أنه نافذ المشيئة، ولا راد له، قال تعالى: "إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون" (سورة يس، آية 82).

الصفة الثانية: الكبير، والله هو الكبير المتعالي، والمراد بالكبير أن كل كمال فهو له، فالله عزّ وجل هو منشأ جميع الكمالات، فكل كمال فهو ثابت للكبير، وبما أن الله عز وجل هو الوجود الصرف، فإن جميع الكمالات والصفات الحسنة والعليا ثابتة له تبارك وتعالى، لذلك هو على كبير على جميع ما في السماوات، أي أن جميع الكمالات التي تُثبت للأمور الصغيرة هي ثابتة للكبير تبارك وتعالى.

الصفة الثالثة: العظمة، العظيم بمعنى ظاهر السلطنة والملكية، ومن هنا تختص العظمة بالله تبارك وتعالى، فبعض الملوك يلقبون أنفسهم بصاحب العظمة، وهذا خطأ واشتباه، إذ أن صاحب العظمة الحقيقية هو الله تبارك وتعالى، إذ أن الله هو الملك الحق.

ومن هنا نتطرق إلى أقسام الملكية، قسم الفلاسفة الملكية إلى ثلاثة أقسام: ملكية اعتبارية، وحقيقية، وحقة، ولنشرع في بيان الأقسام الثلاثة تباعاً.

القسم الأول: الملكية الاعتبارية، وهي التي تنشأ باعتبار معتبر، ووضع واضع، وجعل جاعل، كملكية الإنسان لداره وأرضه، فهذه الملكية إنما نشأت باعتبار، أي تواضع العقلاء على وضع صك أو ورقة لإثبات أن هذه الأرض ملك لفلان، لكن هذه الأرض ليست ملكاً حقيقياً لهذا الإنسان، وإنما هي ملك بالجعل والوضع والاعتبار.

القسم الثاني: الملكية الحقيقية، كملكية الإنسان لنفسه، فالإنسان يملك نفسه حقيقة، لأن سائر قوى النفس بيده، فبيده مشاعره، وأحاسيسه، وتفكيره، وتعقله، فهو مالك لها حقيقة وليس اعتباراً.

القسم الثالث: الملكية الحقة، وهي ملكية الإيجاد والإعدام، وهذا القسم من الملكية مختص بالله تبارك وتعالى، فهو مالك الكون حقاً، ومالك الإنسان حقاً، ولذا تقول في دعاء جوشن الكبير: "يا موجد الأشياء من العدم"، فالإنسان وإن ملك مشاعر وأعضاءه حقيقةً، لكنه لا يملكها حقا، إذ إنه لم يوجد أعضائه ولم يوجد مشاعره، فملكية الإيجاد والإعدام هي الملكية الحقة.

لذلك نجد أبا الأنبياء إبراهيم خليل حينما ناظر النمرود المتجبر الطاغي في الحلة بالعراق، قال له: "إن الله يحيي ويميت"، فتجبر النمرود وقال: "أنا أيضا أحيي وأميت"، احكم بإعدام شخص فأميته، وأعفو عن من حكم عليه بالإعدام فأحييه، قال: "إن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب، فبهت الذي كفر".

أبو الأنبياء في مقام بيان من بيده الإيجاد والإعدام الحق، نمرود كان بيده أمور اعتبارية، أمور تشريعية، "أعدمه، عفوت عن إعدامه" هذه أمور اعتبارية، وأبو الأنبياء كان ناظراً إلى الوجود الحق.

فجميع الأشياء متعلقة بالله حدوثاً وبقاءً، ابتداءً واستمراراً، فالعلة فيها حيثية حدوث وحيثية بقاء، فعود الثقاب علة للاحتراق، فهنا تُذكر ثلاثة أمور:

أولاً المقتضي، وهو قابلية عود الثقاب للإحراق؛ والشرط وهو دنو عود الثقاب من الورقة، وانعدام المانع كعدم وجود بلل أو رطوبة على الورقة، هذه الأجزاء الثلاثة يقال لها ماذا؟ جزء العلة، فالمقتضي والقابلية جزء العلة، والشرط جزء العلة، وعدم المانع جزء العلة، فيقال للمقتضي أو الشرط: علة ناقصة، ويقال للعلة التي اجتمعت فيها الأمور الثلاثة المقتضي والشرط وانعدام المنع، أنها علة تامة.

والله عزّ وجل علة العلال والعلة الأولى ومسبب الأسباب، "يا مسبب الأسباب، من غير سبب، سبب لنا سبباً لن نستطيع له طلباً"، لذلك هذه العلل تحتاج إلى إفاضة الوجود من الله، فصحيح أن النار علة للاحتراق، لكن بإذن الله، فإذا لم يأذن الله للنار أن تحرق، انتفت القابلية، قال تعالى: "يا نار كوني برداً وسلاماً على إبراهيم"، فالنار مقتضٍ وقد تحقق الشرط إذ أُلقي إبراهيم في النار، وانعدام المانع، لا يوجد بلل، كانت النار التي أعدها نمرود إذا يمر الطير في الهواء يُشوى ويسقط.

لكن الله عز وجل لم يأذن ولم يُفعل قابلية الاحتراق على النار، بل قال: "كوني برداً وسلاماً"، ولو قال "كوني برداً" فقط لبرد إبراهيم وتجمّد، فهذه الأشياء وسائر الممكنات وجودها عين الربط والتعلق، فجميع الممكنات هي عين الربط، أي أن الموجود الحق هو الله، وما عدا الله قائم بإذن الله وبأمر الله.

وبعبارة أخرى: الله واجب الوجود وهو الغني المطلق، وما عداه من الموجودات ممكن الوجود، وهو عين الفقر، وهذا الفقير وجوده وفي بقائه سائر الممكنات فقيرة في حدوثها وفي بقائها، في ابتداءها وفي استمرارها، "يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد".

تقول في التلبية المستحبة في الحج: "لبيك ذا المعارج لبيك، لبيك داعياً إلى دار السلام لبيك" إلى أن تقول: "لبيك تستغني ويفتقر إليك لبيك".

سؤال: بما يفتقر الإنسان وسائر الموجودات إلى الله؟

الجواب في أمرين: أولاً في أصل وجودها وفي ابتداء وجودها، ثانياً وفي بقاء واستمرار وجودها، يعني نحن بحاجة إلى إفاضة فيض دائم من الله عز وجل، لحظة واحدة ينقطع الفيض، تنتهي الموجودات تماماً، كالسلك الكهربائي، المصباح بحاجة إلى إفاضة الكهرباء بشكل دائم، لحظة واحدة تنقطع الكهرباء، وهي عبارة عن سيل من الإلكترونات تعبر مقطعاً معيناً، بمجرد أن تنقطع هذه الإلكترونات وينقطع التيار الكهربائي، ينطفئ المصباح، كذلك الإنسان وسائر الموجودات هي فقر في فقر.

يقول الحسين بن علي صلوات الله وسلامه عليه في دعاء عرفة مخاطباً ربه: "إلهي، أنا الفقير في غنائي فكيف لا أكون فقيراً في فقري؟! إلهي أنا الجاهل في علمي فكيف لا أكون جهولاً في جهلي؟! إلهي مني ما يليق بلؤمي، ومنك ما يليق بكرمك".

ومن هنا تخاطب الله عز وجل في دعاء الافتتاح: "وأعظم المتجبرين في موضع الكبرياء والعظمة"، أي أنك يا الله تظهر جبروتك وتعاليك في الموضع الذي يقتضي بيان الكبرياء والعظمة، لأن الإنسان قد يتجبر ويتغطرس ويرد قضاء الله، الله عزّ وجل يظهر حينئذ عظمته وجبروته، جاء في الحديث القدسي: "من لم يرض بقضائي، ولم يصبر على بلائي، ولم يشكر على نعمائي، فليعبد رباً سوائي وليخرج من أرضي وسمائي" (شرح أصول الكافي، الجزء الأول، صفحة 222).

هذا الإنسان الذي يتغطرس ويواجه الله تبارك وتعالى هنا يأتي موطن وموضع الجبروت، سيأتي إن شاء الله أن موضوع الرحمة هو إظهار العبودية، وموضوع العقاب هو إظهار الطغيان والتمرّد، هذا الطغيان والتمرد على مولوية المولى، إذا وصل إلى مرحلة التحدي مع الله عزّ وجل، فحينئذ يظهر كبرياؤهم.

ولذلك نجد أن الجبابرة على مر التاريخ ماتوا بأخس شيء، فالنمرود مات عن طريق حشرة دخلت في مناخيره وأنفه، ومن شدة الوجع كان يضرب رأسه بالجدار إلى أن مات، وفرعون الذي قال: "أنا ربكم الأعلى" أماته الله بماء بسيط أجراه عليه في نهر النيل، والحجاج بن يوسف الثقفي أماته الله بحشرة، وكان يقول: "ما لي ولسعيد بن جبير؟"، إذ أنه استهزء بسعيد بن جبير الصحابي الجليل حافظ القرآن، فدعا عليه، وقال: "اللهم لا تسلطه على أحد من بعدي".

هذا تمام الكلام في بيان هذه المفردات الثلاث وهذا الدعاء، "وأيقنت أنك أرحم الراحمين"، سؤال: متى تنزل الرحمة عند إظهار العبودية؟ يعني أنا أذنب، ليس تجبراً ولا تعنتاً، ولكن غلبتني شهوتي، هناك تنزيل الرحمة.

وأشد المعاقبين في موضع النكال والنقمة، متى يشتد العقاب؟ عند إظهار الطغيان، عند التمرد على الله عزّ وجل، بإنكار وجوده أو إنكار سطوته، هنا الله عزّ وجل يغرقهم بالطوفان أو بنار من السماء، هنا الله عز وجل يظهر كبرياءه وعظمته.

إذاً، موضوع الرحمة هو إظهار العبودية، وإن كنت مخطئاً، وموضوع العقاب هو إظهار العدوان والطغيان، إلى أن يقول عليه السلام: "اللهم أذنت لي في دعائك ومسألتك"

00:00

11

2025
| مارس
جلسات أخرى من هذه الدورة 9 الجلسة

11

مارس | 2025
  • الكتاب: شرح دعاء الإفتتاح
  • الجزء

    01

  • 500

    الصفحة
جلسات أخرى من هذه الدورة
9 الجلسة