في رحاب دعاء الإفتتاح
شیخ الدقاق

08 - وجه إضافة الدعاء إلى الله تبارك وتعالى

في رحاب دعاء الإفتتاح

  • الكتاب: شرح دعاء الإفتتاح
  • الجزء

    01

  • الصفحة  

    500

15

2025 | مارس

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمدالله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين

اللهم كن لوليك الحجة بن الحسن صلواتك عليه وعلى آبائه في هذه الساعة وفي كل ساعة وليًا وحافظًا وقائدًا وناصرًا ودليًلا وعينًا حتى تسكنه أرضك طوعًا وتمتعه فيها طويلًا برحمتك يا أرحم الراحمين.

وجه إضافة الدعاء إلى الله تبارك وتعالى

وجه إضافة الدعاء إلى الله تبارك وتعالى جاء في دعاء الافتتاح: "اللهم أذنت لي في دعائك ومسألتك" ولم يقل "اللهم أذنت لي في الدعاء والمسألة"، "فاسمع يا سميع مدحتي، واجب يا رحيم دعوتي"، بل قال: "اللهم أذنت لي دعائك ومسألتك"، فإضافة الدعاء والمسألة إلى حرف الكاف تشير إلى ضمير المخاطب وهو الباري تبارك وتعالى، فما هو السر في ذلك؟

قد يقال إن المراد هو الإشارة إلى الدعاء الحقيقي، فالدعاء على نحوين: الأول صوري وشكلي، والثاني حقيقي وواقعي، فالدعاء الصوري هو مجرد تمتمة باللسان وليس لها أثر على الجنان، بخلاف الدعاء الحقيقي فهو يتقوم بوصفين:

الوصف الأول: حضور القلب والإقبال على الله تبارك وتعالى، قال تعالى: "ويدعوننا رغباً ورهباً وكانوا لنا خاشعين" (سورة الأنبياء، الآية 90)، وقال تعالى: "إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم" (سورة الأنفال، الآية 2).

فهذا العبد المذنب إذا تذكر آثامه ومعاصيه واستحضر رحمة الله في قلبه، وخضع وخشع قلبه في دعائه، فحينئذ سيستنزل رحمة الله عز وجل، قال تعالى: "ورحمتي وسعت كل شيء" (سورة الأعراف، الآية 156).

إذاً، الوصف الأول المقوم للدعاء الحقيقي هو حضور القلب والخشوع والخضوع.

الوصف الثاني: الانقطاع إلى الله والاضطرار إليه، قد يدعو الإنسان حضوراً ويسأل الله مسألة لكنه في قرارة نفسه قد يعتقد أن مسؤوله في العمل قد يجيب مسألته أيضاً، وأن الشخص الفلاني قد يقضي حاجته، فهنا يقع في معضلة الشرك بالله عز وجل، فهو يظن أن الله وفلان أيضاً يقضيها، فلا ينفعه حينئذ مجرد حضور القلب.

لكن قد ينقطع هذا العبد إلى الله ولا يرى سواه، فحينئذ يلبي الله دعوته ويستجيب له، وقد ذكروا في قوله تعالى: "أمن يجيب المضطر إذا دعاه" (سورة النمل، الآية 62) أن المراد بالمضطر هو المنقطع إلى الله والموقن أن لا مؤثر سواه.

وهذا مبدأ عند العرفاء، وهو أنه لا يؤثر في الوجود إلا الله، يقول الإمام الخميني قدس الله سره: "إن أساس الخير كل الخير هو القيام لله، وأساس الشر كل الشر هو القيام للناس".

ومنشأ الكثير من المشاكل هو أن يرى الإنسان نفسه شيئاً، ومنشأ الكثير من الفضائل هو أن لا يرى الإنسان نفسه شيئاً ولا يرى في الأشياء إلا الله عز وجل.

فمنشأ مشاكل الناس أن يروا أنفسهم شيئاً يذكر؛ يقول: "فلان أهانني"، "في ذلك اليوم آذاني"، "وفي ذلك اليوم عمل لي كذا"، يعني منشأه أنه يرى نفسه شيئاً؛ يرى نفسه شيئاً قد تألم، يرى نفسه شيئاً قد أهين، يرى نفسه شيئاً قد ظلم.

أغلب مشاكل الناس هي رؤية النفس شيئاً، لكن إذا كان لا يرى نفسه شيئاً، يرى نفسه كالعدم حتى الكاف زائدة، فحينئذ لن تنشأ مشاكل بيننا.

وهذا يشير إلى مبدأ الوحدة عند العرفاء، وهو أنه لا يوجد إلا موجود واحد وهو الله وما عداه عدم، الإنسان في قرارة نفسه قد يتكلم بهذا الكلام: "أنا لا شيء، أنا كالعدم"، لكن في قرارة نفسه إذا دخل المجلس وما أحد قام له أو سلم عليه يتأذى، فهو يرى نفسه شيئاً.

لكن إذا في قرارة نفسه وفي واقعه لا يرى نفسه شيئاً؛ "أنا عبد فقير معتصم بالله، وجودي بالله، كمالي بالله، حياتي بالله، غنائي بالله"، هذا ما يتأثر، ورد في الرواية: "من أصلح ما بينه وبين الله أصلح الله ما بينه وبين الناس".

إذاً المراد من إضافة الدعاء والمسألة إلى الله أن يكون الدعاء دعاء حقيقياً متقوماً بأمرين: أولاً: حضور القلب، وثانياً: الانقطاع إلى الله عز وجل.

وهذا هو السر في تقييد الآية الكريمة بقوله: "إذا دعان"، قال تعالى: "وإذا سألك عبادي عني فإني قريب، أجيب دعوة الداعي إذا دعان"، يعني كيف الداعي إذا دعاني؟

الداعي قد يدعو دعاءً لفظياً وصورياً وشكلياً، هنا لم يدعُ هذه صورة وشكل، "دعوة الداعي إذا دعاني" يعني إذا دعاني دعاءً حقيقياً بحضور قلب وانقطاع إلي.

لذلك عقبت الآية وفرعت: "فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون" (سورة البقرة، الآية 186).

هذا تمام الكلام في شرح قوله عليه السلام: "اللهم أذنت لي في دعائك ومسألتك"، واتضح أن المراد بالأذن هو الأذن التشريعي تأدباً، فبما أنك أذنت لي يا الله وأتحت لي الفرصة، فإني أدعوك من أعماق قلبي حقيقةً بحضور قلب وانقطاع إليك، ثم فرع الإمام عليه السلام في دعاء الافتتاح قائلاً: "فاسمع يا سميع مدحتي، واجب يا رحيم دعوتي، وأقل يا غفور عثرتي".

وهنا يطلب من الله عز وجل أن يسمع مديحه، والمدحة على وزن "فعله" وهذا الوزن بالكسر يدل على الكيفية كما في الصرف العربي، تقول: "قتله شر قتلة"، فـ"قتلة" تشير إلى كيفية القتل.

"فاسمع يا سميع مدحتي"، أي يا اسمع السامعين أطلب منك أن تنظر إلى كيفية مدحي لك، "واجب يا رحيم دعوتي"، يعني أجب دعائي وطلبي، وهنا استنجد بصفة الرحمة لأنها تعمل على استجابة الدعاء.

و"أقل يا غفور عثرتي"، أقل من الإقالة، تقول: "أقال البيع"، يعني أنهى البيع، فالإقالة هي عبارة عن الإلغاء.

و"أقل يا غفور عثرتي" يعني إلغاء الشيء بعد وقوعه، والعثرة عبارة عن السقوط نتيجة التعثر بشيء يعترضك في الطريق، تقول عثر الأعمى إذا اصطدم بحجر أو حاجز في طريقة لم يلتفت إليه ولربما أوجب وقوعه، "وأقول يا غفور عثرتي" أي يا الله تجاوز عن عثر وسيئات أعمالي وألغها.

هذا تمام الكلام في بيان هذه المفردات في فقرات الثناء بلحاظ المعنى اللغوي، ولكن ما هو المراد والمقصود منها؟

يمكن أن تذكر ثلاثة وجوه:

الوجه الأول: أن تكون هذه الفقرات الثلاث تفريعاً على الفقرات الثلاث المتقدمة، فقد تقدمت فقرات ثلاث وهي قوله عليه السلام: "وأيقنت أنك أنت أرحم الراحمين في موضع: العفو والرحمة"، هذا أولاً. "وأشد المعاقبين في موضع: النكال والعقوبة"، هذا ثانياً. "وأعظم المتجبرين في موضع الكبرياء والعظمة"، هذا ثالثاً.

هذه ثلاثة موارد لليقين: الرحمة في موضع العفو، والعقاب في موضع النقمة، والتجبر في موضع الكبرياء.

ثم فرع عليها: "فاسمع يا سميع مدحتي" أولاً، "واجب يا رحيم دعوتي" ثانياً، "وأقل يا غفور وعثرتي" ثالثاً. فيكون التفريع في الموارد الثلاثة كما يلي:

الأول: إن الله ارحم الراحمين، والمناسب لهذا الوصف أن يدعى: "وأجب يا رحيم دعوتي".

الثاني: إن الله أشد المعاقبين في موضع النكال والعقوبة، والمناسب لهذا الوصف أن يقال له: "وأقل يا غفور عثرتي".

الثالث: أن الله عز وجل هو المتجبرين في موضع الكبرياء والعظمة، والمناسب أن يفرع عليه ويقال له: "فاسمع يا سميع مدحتي".

فهذه أوصاف ودعوات ثلاث قد تفرعت على أوصاف ثلاث متقدمة، فالدعاء الأول: "فاسمع يا سميع مدحتي" تفريع على الصفة الثالثة: "وأعظم المتجبرين في موضع الكبرياء"، والدعاء الثاني: "واجب يا رحيم دعوتي" هذا تفريع على أول وصف: "وأيقنت أنك أنت أرحم الراحمين" في موضع العفو والرحمة، والدعاء الثالث والأخير: "وأقل يا غفور عثرتي" هذا تفريع على الصفة الثانية وهي قوله عليه السلام: "وأشد المعاقبين في موضع النكال والنقمة".

إذاً، من الوجوه الثلاثة أن هذه الأدعية الثلاثة تفريع على الصفات الثلاث المتقدمة، ويشير إلى ذلك التفريع بالفاء: "فاسمع يا سميع مدحتي"، هذا الوجه الأول.

الوجه الثاني: الإشارة إلى مراتب القرب، ومراتب القرب كما يقسمها علماء العرفان ثلاث مراتب:

المرتبة الأولى: مرتبة الإقبال من الله عزّ وجل على العبد لكي يجعل العبد مقبلاً عليه، فالذي يقبل أولاً هو الله وليس العبد، ويقبل العبد على الله تبعاً لإقبال الله عليه.

المرتبة الثانية: مرتبة إفاضة الرحمة.

المرتبة الثالثة: مرتبة الطهارة.

فأولاً يقبل الله على العبد، وثانياً يفيض عليه الرحمة، وثالثاً تحصل الطهارة الفعلية للعبد، ولنوضح هذه المراتب الثلاث:

المرتبة الأولى: متى يكون الإنسان قريباً من ربه؟

والجواب: إذا أصبح الإنسان وعاءً للرحمة، أي أصبحت له القابلية لنزول رحمة الله، فالشمر ويزيد والنمرود وفرعون لم تكن لهم قابلية نزول رحمة الله عز وجل، فالله عز وجل ينبغي أن ينظر إلى العبد نظرةً رحيمة يستكمل بها الكرم لكي يكون العبد مستحقاً ويكون وعاءً لنزول رحمة الله تبارك وتعالى.

المرتبة الثانية: بعد أن يصبح الإنسان وعاءً قابلاً لنزول الرحمة ويستحق نزول الرحمن، يأتي دور إفاضة الرحمة من الله على الإنسان، فالإنسان له بعدان: بعد مادي وبعد معنوي؛ البعد المادي من عالم الملك، والبعد المعنوي من عالم الملكوت، ولكي تنزل رحمة الله على هذا الإنسان العبد الفقير، لابد أن تكون له قابلية مادية من عالم الملك، وقابلية معنوية من عالم الملكوت، قال تعالى: "تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير" (سورة الملك، الآية الأولى)، وقال تعالى: "سبحان الذي بيده ملكوت كل شيء" (سورة ياسين، الآية 83)، إذاً، الإنسان مكون من مادة في عالم الملك، وروح من عالم الملكوت.

المرتبة الثالثة: مرتبة الطهارة، فالإنسان إذا انطلق بهذا المنطلق الذي إليه الآية الكريمة: "وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي"، فهو في معرض الأخطاء، فهنا يأتي دور هذه الفقرة: "وأقل يا غفور عثرتي"، أي طهرني يا الله واستر علي.

فهذه الفقرات الثلاث تشير إلى هذه المراتب الثلاث: "فاسمع يا سميع مدحتي"، أي اقبل علي يا الله لكي أقبل عليك "واجب يا رحيم دعوتي"، أي ارحمني، فهذه مرتبة إفاضة الرحمة، و"وأقل يا غفور عثرتي"، أي طهرني، فتصير هذه الفقرات الثلاث تشير إلى المراتب الثلاث: مرتبة الإقبال والرحمة والطهارة.

الوجه الثالث: هذه الفقرات استرسال في الدعاء من دون لحاظ الترتيب، كما في الوجه الأول، ودون لحاظ المراتب الثلاث كما في الوجه الثاني، ففي البلاغة العربية، يحسن الإيجاز في مواطن، ويحسن الإطناب في مواطن أخرى، فعند المديح، وعند بيان المشاعر، وعند الحزن، وعند المدح، يحسن الإطناب والإطراء والإكثار.

وأفضل الدعاء ما جرى على لسانك، والإمام عليه السلام يعلم الداعي كيفية الاسترسال في الدعاء والثناء على الله، ففي البداية يقول: "اللهم أذنت لي في دعائك ومسألتك"، وفي البداية يثني على الله عز وجل ويقول: "أيقنت أنك أنت أرحم الراحمين في موضع العفو والحرمة".

فهنا يوجد إسهاب واسترسال في الثناء في الفقرات الأولى: "اللهم وأيقنت أنك أنت أرحم الراحمين في موضع العفو والرحمة، وأشد المعاقبين في موضع النكال والنقمة، وأعظم المتجبرين في موضع الكبرياء والعظمة" هذا استرسال في الثناء.

ثم يفرع على هذا الثناء يأتي الاسترسال في الدعاء والتفريع بالفاء: "فأجب يا رحيم"، "فاسمع يا سميع مدحتي"، "واجب يا رحيم دعوتي"، "وأقل يا غفور عثرتي"، هذا هو القدر المتيقن، وهو الاسترسال في الدعاء.

إذاً، هناك قدر متيقن أن الإمام عليه السلام قد استرسل في الثناء أولاً في المدائح الثلاث، ثم فرع على ذلك واسترسل في الدعاء والطلب ثانياً كما في الدعوات والمسألات الثلاث.

ولكن هل هذه الدعوات الثلاث تفريع على المدائح الثلاث؟ هذا يحتاج إلى دليل، وهل هذه الطلبات تشير إلى هذه المراتب الثلاث؟ هذا أيضاً يحتاج إلى دليل.

فذكر التفريع وذكر الطلبات الثلاث مجرد تأمل وتأملات، والتأمل ما لم يوجد عليه شاهد لا يرقى إلى مستوى الظهور، فيكون المرجح هو الوجه الثالث، وهو أن الثلاثة الأول استرسال في المدح، والفقرات الثلاث الأخرى استرسال في الدعاء، والله العالم.

ثم الإمام عليه السلام بعد أن مدح الله عز وجل وبعد أن طلب منه الطلبات الثلاث، استرسل وفرع على النعم التي أنعم الله بها عليه فقال: "فكم يا إلهي من كربة قد فرجتها وهموم قد كشفتها"، إلى آخر الدعاء، صلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين

00:00

15

2025
| مارس
جلسات أخرى من هذه الدورة 9 الجلسة

15

مارس | 2025
  • الكتاب: شرح دعاء الإفتتاح
  • الجزء

    01

  • 500

    الصفحة
جلسات أخرى من هذه الدورة
9 الجلسة